كتب ومقالات

مقالات متنوعة

ترامب والقدس

2018-06-02 02:02:01

 

في منتصف الشهر الأول لعام 2017، وبعد أن بدأ الحديث والتكهنات حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وربما اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، كتبت مداخلة حول هذا الموضوع تحت عنوان "الممكن والمستحيل: ترامب والقدس".

واليوم، وبعد حوالي سنة من عمر تلك المداخلة وما تبعها ولا زال من تفسيرات وتلميحات وتهديدات خاصة من عباقرة السياسة الخارجية الفلسطينية ، لا زال الجرس بانتظار من يعلّقه على رقبتنا. القدس ليس موضوع داخلي أمريكي وليس خاضعاً لمزاج الرئيس الأمريكي، كما أنه ليس أداة ضغط من اللوبي الصهيوني، ولن يتم استعماله بشكل مستقل عن المعالجة المتكاملة للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي.

إن وضع مدينة القدس هو المفتاح والطريق الوحيد للحل الدولي القادم، ولن يتم المساس في الوضع الراهن للمدينة المقدسة إلاّ بالتوصل لمشروع تسوية كامل، يجرى الآن الحديث الصامت عنه وترتيبه بين الدولتين الأعظم، يشمل كافة أبعاد المشكلة الفلسطينية. واسألوا الرئيس عباس..

 

الممكن والمستحيل: ترامب والقدس

16/1/2017

تختلف الاراء حول أول ما سيتخذ الرئيس ترامب من قرارات بعد ظهر يوم الجمعة القادم حينما ينتهي من أدائه قسم تولي منصب رئيس الولايات المتحدة لمدة الأربع سنوات القادمة. البعض الكثير يرى أنه سوف يقوم باتخاذ قرار نقل السفارة الأمريكية من مدينة تل أبيب إلى العاصمة الأبدية لإسرائيل، مدينة القدس المباركة وفاء لوعده في حملته الإنتخابية، نفس الوعد الذي كان جزء من الدعاية الإنتخابية لحوالي تسعة من المرشحين الرئاسيين الذين وصلوا لمنصب الرئيس، وحوالي عشرة دزينات، أو درزنات كما يقال في دول الخليج العربي، أو دسته كما يقال في مصر والسودان، من المرشحين الذين لم يتمكّنوا من الحصول على المركز في الإنتخابات الحزبية أو العامة.

هل يملك الرئيس الأمريكي إتخاذ مثل هذا القرار وحيداً فريداُ؟

وفق التقاليد النظم السياسية الغربية، فإن هناك شكوكاً كثيرة على قدرة الرئيس ترامب على إتخاذ مثل ذلك القرار، دون الرجوع إلى مراجع رئاسية وتشريعية وحزبية. إن قدرة الرئيس الأمريكي في اتخاذ قرارات ذات تأثير مباشر على الأمن والإستقرار والعلاقات الدولية للولايات المتحدة محدودة جداُ ولا تتجاوز عمليّاً عشرة بالمائه من المجموع المطلوب لإصدار مثل ذلك القرار. إن إتخاذ قرار نقل مقر السفارة الأمريكية إلى القدس يدخل في نطاق القرارات السيادية المتعلقة بالأمن والإستقرار ومستقبل العلاقات الأمريكية الدولية وتتطلب بذلك توافقاً لمسؤولي الإدارة الأمريكية، والحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي وفق قاعدة "الموافقة الثنائية"، وكذلك الدول الأوروبية العظمى المتحالفة مع الولايات المتحدة، ناهيكم عن الدول العربية والإسلامية المتحالفة، أو غير المتحالفة أيضاً مع الولايات المتحدة.

على سبيل المثال وليس الحصر فإن الرئيس الأمريكي يحتاج التالي لتبني هذا القرار:

أولاً-  إن الوعود الإنتخابية ليست في العرف السياسي العالمي عامة، والأمريكي خاصة، مُلزمة للرئيس الأمريكي، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. ، كما أن الرئيس ترامب "غير مضطر" لاتخاذ هذا القرار المختلف عليه أمريكيّاً في بداية عهده الجديد الذي يحتاج للمزيد من التأييد والوفاق والرضى من مختلف القوى والجماعات. إن التأييد الأمريكي السياسي والعسكري الحالي لإسرائيل دليل لا يقبل الشك على الإلتزام الأمريكي لضمان إسرائيل ولا يبدو أن هناك حاجة أو ضرورة للمزيد منه.

ثانياً: يحتاج الرئيس ترامب موافقة وتأييد الإدارة التنفيذية التي اختارها نفسه كمجلس وزراء تنفيذي للفدرالية الأمريكية، وهذا يبدو للرئيس الأمريكي غير ممكن التحقيق حيث أن وزيري الدفاع والخارجية، وربما غيرهما، وأعضاء آخرين من مستشاريه وأعضاء مجلس الأمن الوطني الرئاسي غير متحمسين لمثل هذا القرار.

ثالثاً: هذا القرار سوف يتصادم مع مواقف الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة بلا استثناء سوى إسرائيل. ويجعل من الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في العالم التي تتخذ مثل هذا القرار.

رابعاً: أن مثل هذا القرار يتعارض مع الموقف الأمريكي المتعاقب نفسه منذ عام 1967، جمهورياً وديمقراطياً، بعدم الإعتراف بالقدس الشرقية كجزء من إسرائيل، وهناك قنصلية أمريكية في القدس مختصّة بالأمور الفلسطينية ومنفصلة عن السفارة الأمريكية في تل أبيب.

خامساً: إن إتخاذ مثل هذا القرار من الرئيس ترامب سوف يضطر الدول العربية والإسلامية المتحالفة أو الصديقة للولايات المتحدة لاتخاذ مواقف سياسية واقتصادية  "غير وديّة"  تجاه الولايات المتحدة، كما أنها ستفتح الأبواب والنوافذ أمام الحركات المتطرفة للمزيد من التأييد والمتطوعين الجدد. إن هذا التهديد في منتهى الجديّة أيضا بالنسبة للتجمعات العربية والإسلامية في أوروبا وفي الولايات المتحدة نفسها التي تعالني أوروبا والولايات المتحدة من بعض اتجاهاتها  ومشاعرها وأعمالها.

إن إختيارات الرئيس ترامب في هذا المجال ضيقة ولا تتجاوز أن يؤجل إتخاذ القرار لمزيد من الدراسة، أو أن يلجأ لقرار يحقق صيغة مخففة أخرى مثيرة  للجدل والتناقض، على مثال تحديد "القدس الغربية" وحدها مكاناً للسفارة الأمريكية في "القدس". إن مثل هذا القرار قد يغضب إسرائيل أكثر من أن يرضيها لأنه سيكون القرار الأمريكي الأول بتأييد انفصال القدس العربية وعدم تبعيتها للأراضي الإسرائيلية، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ومطالب الفلسطينيين وتأييد المجتمع الدولي، الأمر الذي سوف يثير رفض إسرائيل والقوى الصهيونية في الولايات المتحدة.