كتب ومقالات

مقالات متنوعة

زبارة الرئيس ترامب للقدس . . الحقائق والأوهام

2018-06-02 02:31:46

زيارة الرئيس الأمريكي ترامب

الحقائق والأوهام

 

 

ينزع الكتّاب والصحفيون والمفكرين حتى والسياسيون في بلدان العالم العربي المختلفة بالتوقع والتأكيد والتحذير من ما ينوي أو يخطط له الرئيس الأمريكي المنتخب الجديد من تغيير في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بعلاقاتها مع أوروبا والمكسيك وحلف الناتو وروسيا والصين وكوريا الشمالية والشرق الأوسط. كما تكثر الأحاديث عن طموحه  لوضع الأسس خلال زيارته القصيرة القادمة لمنطقة الشرق الأوسط  للبدء بحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. وهذه الظاهرة تتكرر مع تسلّم كل رئيس أمريكي جديد مهام قيادة الولايات المتحدة ويخبو بريقها بعد مرور الشهر الأولى لفترته الرئاسية.

من الأمور المعروفة فيما يتعلّق بولاية وتخصص الرئاسة الأمريكية، والتطورات والإضافات المتعلقة بهذا الشأن في الدستور الأمريكي، أن سلطة الحكومة الفدرالية ورئيسها الذي هو الرئيس الأمريكي، عمليّاً معدومة تقريباً في كل الأمور الداخلية ومحددة بصرامة في مواضيع  ذات طبيعة فدرالية منها السياسة الخارجية والقوات المسلحة والضرائب الفدرالية والغابات وخفر السواحل وإصدار العملة الموحدة وبضع أمور أخرى. الرئيس الأمريكي لا يحكم الولايات المتحدة ولا شعبها، والذي يقوم بذلك هي السلطات المدنية المنتخبة على مستوى النجوع والقرى والمدن الصغيرة والكبيرة والولايات الخمسون التي وافقت على الإنضمام لدولة الولايات المتحدة الأمريكية. البيت الأبيض في واشنطن يدفع تكاليف الماء والكهرباء والنظافة المترتبة عليه لبلدية مدينة واشنطن، ولا يستطيع موكب رئيس الولايات الولايات المتحدة الخروج من خلف أسوار البيت الأبيض إلى شوارع مدينة واشنطن إذا لم يرسل مدير الشرطة المدنية للمدينة سيارات الشرطة لمرافقة وقيادة موكب الرئيس الذي لا يملك هو أو حراسته العتيدة حق إغلاق الشوارع أو منع المواطنين من المرور أو القيادة.

سلطة الرئيس الأمريكي الأهم والأوسع هي في مجال تخصصه الذي نص عليه الدستور وإضافاته في الإشراف وتقرير وتنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ولكن هذا الإختصاص أيضاً مكبّل بتداخلات المجالس التشريعية الأمريكية، مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وخاضع أيضاً بشكل أو آخر لجماعات الضغط ولجان ...... اكتسب مجلس النواب، المفروض أنه مجلس مختص بشكل محدد بفرض الضرائب وتوزيع الميزانية، نفوذه على وزارة الخارجية الأمريكية وسياساتها وقراراتها بربط صرف ميزانية الوزارة بتعديل أو وقف أو تنفيذ بعض قرلراتها وفق قرارات غالبية أعضاء مجلس النواب الذي هو بالمناسبة صاحب قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس منذ سنوات طويلة والذي تمت المساومة عليه بأن تقوم الحكومة الأمريكية بتقديم مذكرة للمجلس كل ستة أشهر بالأسباب المتعلقة بالمصالح العليا للشعب الأمريكي التي تقف عائقاً أمام تنفيذ رغبة مجلس النواب الأمريكي.

هذه العوامل تقلّص بشكل كبير صلاحيات الرئيس الأمريكي في تقرير ةتنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط بشكل عام، والشأن الفلسطيني بشكل خاص، والتاريخ والتجربة هي دليل لا يقبل الدحض. لقد تراجع أو عدّل أو ألغى الرئيس ترامب تقريباّ عن معظم نصريحاته وقراراته التي صرّح بها بعد توليه الرئاسة الأمريكية. كما استغرق الرئيس أوباما الفترتين الرئاسيتين ولم ينجح في إغلاق معتقل (جوانتانمو) كليّاً بعد. وأعلن الرئيس كلينتون، بعد ثمانية سنوات في البيت الأبيض عن فشله في تحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسبب عدم تأييد المجلسين التشريعيين والحزبين الرائدين لجهوده وأفكاره. وتم تعديل مؤثر في قانون الصحة الذي يُعتبر الإنجاز الأكبر في رئاسة الرئيس أوباما بعد أقل من مائة يوم على مغادرته المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.

الرئيس أوباما لن يحارب إيران، ولن يهاجم كوريا الشمالية، ولن ينسحب من حلف الناتو، ولن يجبر المكسيك على دفع تكاليف الجدار الفاصل على حدودها مع الولايات المتحدة، ولن يقنع أو يجبر السعودية على دفع حصتها من تكاليف وصواريخ وأسلحة الجيش الأمريكي في مخططات الدفاع عن المنطقة، ولن يستطيع تحقيق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى لو آزرته الدول العربية بجمعها لأن المشكلة ليست الدول العربية ولا حتى أمريكا ولكنها إسرائيل والفصائل الفلسطينية. ولن يساعد عناق الرئيس الأمريكي مؤخراً لمقولة أن مشكلة فلسطين هي أساس الإرهاب في المنطقة والعالم، في دفع إسرائيل والفلسطينيين وربما الدول العربية للسعي لتحقيق السلام. لأن الإرهاب الذي يتحدّث عنه ويحذّر منه الرئيس الأمريكي والذي ضرب في معظم دول العالم تقريباً...لم يضرب إسرائيل بتاتاً.

الرئيس الأمريكي سيزورنا حاملاً معه ملّفين أساسيين له وللولايات المتحدة، وتحظى أيضاً باهتمام مشروع لقادة دول المنطقة. ملف الإرهاب هو الذي سيشغل وقت وعقل من سوف يجتمع معه من قادة المنطقة. محاربة الإرهاب أصبحت تحالفاً دولياً ربما يجمع كافة دول العالم، وهو الموضوع ربما الوحيد الذي ترأسه وتدعمه القوتين الأعظم. سوف يكون الرئيس الأمريكي مستمعاً جيداً لرأي الرئيس السيسي والملك سلمان والملك عبد الله الذين أيديهم في النار وعقولهم مدركة لأبعاد وأخطار الإرهاب، لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده، والمنطقة وشعوبها  قد كابدت الكثير الكثير. هناك إلتزامات سياسية ومالية واقتصادية كثيرة وكبيرة يجب أن يتعهد بها الرئيس ترامب الذي يعرف ان المزاج السياسي الأمريكي الحكومي والتشريعي والإعلامي والشعبي ميّال لتأييده في هذا الجهد.

ملف تحجيم الجهود الإيرانية تجاه حدودها الغربية سوف يأخذ وقتاً واهنماماً خاصة وأن دول عربية عديدة بدأت تتحسس الخطورة على الأمن والسلام المجتمعي في بلادها. يسعى الرئيس ترامب لتمتين ما يمكن تسميته بتجمع الدول السنبّة وتعاونها في عمل جماعي سياسي وربما أمني لوقاية بلادهم من مصير يشهده العالم كل يوم في بلاد عربية قريبة وعزيزة. يمكن للولايات النتحدة أن تلعب دوراً مؤثراً في هذه الزمة الإقليمية التي تبدو ليست قريبة الحل.

أسهل الملفات التي يحملها الرئيس الأمريكي ترامب معه هو ملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي !! فلا الإسرائيليون مستعدون لأخذ خطوة للأمام، ولا الفلسطينيون قادرون على الإتفاق بينهم على ما يريدون. والهوة كبيرة بينهما، وميزان القوة لا يرحم، وليس إلاّ بعض خطوات رمزية وقليلة الكلفة ومريحة لاستمرار الأمور على ماهي. ربما مساعدات مالية مشروطة للسلطة الوطنية، وبعض أسلحة وتدريب، ورفع بعض الحواجز، وتخفيف الحصار على غزة، وإعادة تشغيل بعض عمال غزة في إسرائيل، وربما السماح للصيادين في غزة بميل أو ميلين بحريين، ويمكن يتوسط لإنهاء اعتصام المعتقلين المناضلين الجائعين  وهكذا دواليك. الإسرائيليين سوف يتلقوا من الرئيس الأمريكي الزائر مساعدات ورشاوى أخجل مقارنتها بنصيبنا كفلسطينيين. والجميع سيكونوا مسرورين وفرحين، ونبقى نحن وفق أمثلة خالتي رحمها الله...قامت الحزينة تفرح....والسلام ختام