كتب ومقالات

مقالات متنوعة

وعد بلفور.. المأساة مستمرة

2018-06-25 00:43:15

 

 

وعد بلفور.. المأساة مستمرة

 

یشھد الیوم الثاني من شھر نوفمبر/تشرین الثاني القادم الذكرى المئویة لما أصبح  یعُرف بوعد بلفور الذي وافقت علیھ  الحكومة البریطانیة في الثاني من شھر نوفمبر/تشرین الثاني عام ۱۹۱۷. وقد صدر ذلك الوعد قبل شھر فقط من احتلال القوات البریطانیة لفلسطین وفي وقت لم یكن یتعرّض فیھ الیھود في فلسطین، أو أي دولة عربیة أو إسلامیة أخرى، لأي نوع من الاضطھاد أو التفرقة كما كان یحصل في معظم الدول الأوروبیة خاصة روسیا والنمسا حتى وبریطانیا نفسھا .

كما أن نسبة السكان الیھود في فلسطین في ذلك الوقت لم یتجاوز الخمسة بالمائة من مجموع السكان العرب، المسلمین والمسیحیین.

یحمل ھذا الوعد الذي تمثلّ برسالة من اللورد بلفور، وزیر خارجیة البریطاني، إلى اللورد روتشیلد رئیس الجالیة الیھودیة في بریطانیا وأوروبا بشكل عام، یبلغھ فیھا عن موافقة الحكومة البریطانیة على إنشاء دولة قومیة للیھود في فلسطین . لم یمر ھذا الوعد المأساة بدون معارضة من بعض السیاسیین البریطانیین الذین كان أبرزھم البارون إدوار غینیتس المعروف باسم البارون موین الأول. شغل البارون موین، الحلیف الدائم لونستون تشرشل، مناصب وزاریة ھامة في حكومات بریطانیة متعاقبة كان آخرھا منصب رئیس الدائرة السیاسیة البریطانیة في الشرق الأوسط خلال سنوات الحرب العالمیة الثانیة. بقي اللورد موین على معارضتھ لوعد بلفور وقناعتھ بحجم المشاكل والحروب والمواجھات التي سیتسبب بھا حتى تم اغتیالھ أمام منزلھ في حي الزمالك في القاھرة عام ٤٤۱۹ من قبل شابیین إرھابیین من الیھود الصھاینة ینتمیان لمنظمة شتیرن الإرھابیة التي كان أحد قادتھا في تلك الفترة المدعو اسحق شامیر، الذي أصبح رئیساً للوزراء في إسرائیل فیما بعد .

اختلفت الآراء والتفسیرات لتلك الخطوة البریطانیة غیر المتوقعة والتي، وفق بعض الروایات المسئولة، جاءت مفاجئة لبعض زعماء الحركة الصھیونیة العالمیة، فحین تم دعوة اللورد روتشیلد لوزارة الخارجیة البریطانیة لمقابلة اللورد بلفور حول مشروع الرسالة البریطانیة، طلب بلفور منھ رفع سقف طلباتھ فیما یتعلق بفلسطین إلى مستوى وطن قومي للیھود، الأمر الذي لم یكن وارداً في أذھان قادة الصھیونیة العالمیة. أتبعت بریطانیا إصدار الوعد للحركة الصھیونیة بالعمل داخل "عصبة الأمم" التي تشكلت بعد انتھاء الحرب العالمیة الأولى، لتضمین وعد بلفور في قرارھا بتكلیف بریطانیا بالانتداب على فلسطین، الأمر الذي یعني أن إقامة الوطن القومي للیھود في فلسطین قد أصبح قراراً دولیاً ملزماً. 

مفھوم العودة الصھیوني السیاسي إلى فلسطین، والتي ربطھا المفكرین الأوائل للحركة الصھیونیة بالدین الیھودي، ھي مفھوم حدیث نسبیاً في التاریخ. كان نابلیون ھو أول من أطلق وعداً بإعادة الیھود إلى فلسطین إباّن غزوتھ الفاشلة للأراضي الفلسطینیة بعد احتلالھ مصر في القرن التاسع  عشر. وحین تم طرد الیھود والمسلمین من اسبانیا  في نھایات القرن الخامس عشر المیلادي لم یذھب الیھود إلى فلسطین مع أن ذلك كان متوفراً بل استقروا في أوروبا. كان معظم رجال الدین الیھود یعتبرون الدعاء الیومي " السنة القادمة في القدس" على أنھ دعوة للعودة لمبادئ وقیم الدین الیھودي ولیس العودة عملیاًّ إلى للعیش في فلسطین .وقد واجھ وعد بلفور في السنوات التي تلت صدوره ھذا المفھوم حیث لم یعره یھود أوروبا أي اھتمام أو حماس للھرولة في الطریق إلى فلسطین واقتصرت الھجرة الیھودیة إلى الأراضي المقدسة على قیام بعض الیھود الأوروبیین الأثریاء، وخاصة عائلة روتشیلد وعائلة مونتیفوري ، بشراء أراضي في فلسطین وإقامة مستوطنات صغیرة تعمل بالزراعة في محاولة لاسترجاع "الیھودي المزارع" الذي لم یعد موجوداً على وجھ الأرض على طریق استرجاع "الیھودي المقاتل" الذي بدأ تشكیلھ في عام ۱۹۲۹ بعد استبعاد الحراسة العربیة لھذه المستوطنات التي كان یتولاھا مسلحین عرب معظمھم من البدو. لم تتجاوز الھجرة الیھودیة إلى فلسطین بین عامي ۱۹۱۷، عام صدور وعد بلفور وعام ٥۱۹۳، بعد وضوح سیاسات ھتلر تجاه یھود ألمانیا وأوروبا ،عدة عشرات آلاف من الیھود الأوروبیین . 

على عكس مما كتبھ وأشاعھ بعض المؤرخین والكتاب العرب والاتراك من أن خلفاء آل عثمان قاوموا وعارضوا المشاریع الاستیطانیة الصھیونیة على الأرض الفلسطینیة، فإن الحقائق التاریخیة تبرز بوضوح عكس ذلك تمامًا، وأن الاستیطان الصھیوني الأوروبي ابتدأ في غرس مستوطناتھ على الأرض الفلسطینیة منذ أربعینات القرن التاسع عشر المیلادي وقبل حوالي ثمانین عاماً من انحسار الحكم العثماني، مستوطنات ومستعمرات خاصة لیست لإسكان الیھود

الفلسطینیین بل على سبیل الحصر لإسكان الیھود الأوروبیین الذین كانوا ھدف الحركة الصھیونیة منذ البدایة. تصاعد ھذا النشاط الاستیطاني بعلم وموافقة السلطات العثمانیة، وتم الجزء الأكبر منھ في عھد السلطان عبد الحمید الذي حكم السلطنة في الربع الأخیر من القرن التاسع عشر المیلادي وثمانیة أعوام أخرى من القرن العشرین. ترك الحكم العثماني في فلسطین عندما غادرتھا قواتھم للمرة الأخیرة في عام ۱۹۱۷، مدینة یھودیة خالصة ھي تل أبیب، التي بدُء في إنشائھا فوق التلال الرملیة شمال مدینة یافا الفلسطینیة، وتم افتتاحھا رسمیاًّ في عام ۱۹۰۹. كان موشیھ مونتیفوري الثري الیھودي ھو المبادر في بناء المستعمرات الیھودیة، وھو الذي حصل على ضمانات من الدولة العثمانیة بالحمایة وإعطاء الامتیازات لتلك المستوطنات التي بني أولھا عام ۱۸۳۷. بنیت أول مستعمرة یھودیة في متصرفیة القدس في عام ۲٥۱۸، وتشكّلت »الجمعیة الیھودیة للاستیطان« في عام ۱۸۹۰ وورثتھا في عام ٤۱۹۰ المنظمة الصھیونیة. عندما انتھى الاحتلال المصري لفلسطین عام ۸٤۱۸ كان عدد السكان الیھود في فلسطین ألف وخمسمائة شخص ووصل العدد في عام ٤۱۹۱ وانتھاء الحكم العثماني لحوالي ۸۸ ألف شخص یسكنون في ٤٤ مستوطنة  جماعیة زراعیة وقریة یھودیة خالصة، وفي بعض المدن الفلسطینیة المشتركة السكان  .

كانت الأعوام ما بین عام ٥۱۹۳ وعام ۹٤۱۹ ھي الحبلى بمئات الآلاف من الیھود الأوروبیین الھاربین والناجین من الھولوكوست الأوروبي.  ولم یكن ذلك بسبب وعد بلفور  فحسب بل ساھمت ألمانیا النازیة وإیطالیا الفاشیة بالجزء الأكبر من تلك الھجرة لبلادنا.

كان وعد بلفور بدایة الاھتمام الدولي بإقامة دولة للیھود الأوروبیین في فلسطین، كما كان وعد بلفور، والتفاف دول العالم تقریباً حولھ ودعمھ وتأییده، والاعتراف بھ من قبل عصبة الدول ومن ثم الأمم المتحدة، أول تجربة في العصر الحدیث التي اتسمت بمفاھیم وأداء التحالفات الدولیة التي نشھدھا الیوم.  التحالفات الدولیة التي تحكم عالم الیوم وتقرر مصیره ومساره ،