كتب ومقالات

مقالات متنوعة

كتاب يرسم صورة عن قرب لياسر عرفات

2018-07-22 01:09:50

20l12l2007

 

 

كتاب يرسم صورة عن قرب لياسر عرفات

فاروق عبد القادر يقرأ "سنوات الأمل" لمروان كنفاني

 

اكثر من سبب يدعو للاهتمام بهذا الكتاب لعل أولها موضوعه هو ياسر عرفات، وسنوات الأمل هذه هي السنوات الأربع الأخيرة من تلك الفترة التي عمل فيها المؤلف معه كمستشار ومتحدث رسمي، والتي بدأت في 1986. ثاني الأسباب هو صاحب الكتاب الأستاذ مروان كنفاني الشقيق الأصغر للكاتب الفلسطيني الشهير غسان كنفاني 1936 – 1972 الذي أعتبره مع اميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا واضعي أسس الرواية والقصة في الأدب الفلسطيني.

ثم اننا نعف أن مروان أقام طويلاً في مصر وأمريكا، وربما كان الأهم أنه كان حارس مرمى النادي "الأهلي" العتيد، مما جعله معروفا لجماهير المصريين. المرة الوحيدة التي التقيت فيها بغسان كنفاني بدا لي أنه لا يستطيع إخفاء انزعاجه وهو يحكي كيف أن ضابط الجوازات في مطار القاهرة حين لاحظ اسمه سأله ان كان يعرف مروان كنفاني لا عجب ولا غرابة: كان مروان آنذاك في 1969، في أوج شهرته كحارس المرمى، وكان غسان الذي نشر معظم أعماله في ذلك التاريخ معروفاً للقليلين.

يؤطر مروان كتابه بين قوسين: مقدمة وخاتمه، كلتاهما تمزج أجزاء من تاريخه الشخصي والعائلي بآرائه وأفكاره حول قضية وجوده، القضية الأولى في عالمه، قضية فلسطين. يبدأ الكتاب بالأيام الأخيرة من حياة عرفات، ثم يعود في "فلاش باك" طويل ليعرض رحلته الطويلة معه في الأردن ولبنان وتونس ومصر، ويقف وقفة طويلة متأنية عند مسيرة "السلام" حيث مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو ثم اتفاقية غزة وأريحا، ويعود مع رئيسه الى الأرض الفلسطينية حيث يعيش السنوات الأولى في الوطن وتبدأ عملية السلام في التعثر فيتابع تعثرها في أوسلو "2" وواي بلانتيشن حتى "كامب ديفيد". وهو في روايته لتلك الأحداث المفصلية في التاريخ الفلسطيني والعربي الحديث يقتصر المؤلف  على ذكر ما رأى وشهد، وحده قليلاً وبصحبة رئيسه معظم الأحيان.

طبيعي اذن أن يكون ياسر عرفات هو الحاضر دائما في كل صفحات الكتاب التي تقارب الستمائة من القطع الكبير. صحيح  نرى سواه من قادة العمل الفلسطيني، نرى صلاح خلف "أبا اياد" وخليل الوزير "أبا جهاد" وفاروق قدومي "أبا اللطف" لكننا نراهم على نحو عابر لو صح التعبير. ربما كان الوحيد بينهم الذي يطيل المؤلف وقفته معه هو أبو    حسن "علي سلامة" ربما لأنه كان يعمل معه في قيادة "القوة 17" أي قوة الحراسة الخاصة بأبي عمار، وربما للعلاقة العائلية التي كانت تربط بينهما، وربما ببساطة لأنه كان معجباً بهذا "الأمير الأحمر" كما سمّته بعض صحف الغرب بحبه للحياة واقباله على لذائذها دون أن يرى في هذا السلوك أي اخلال بواجبه النضالي، وماذا يمكنك أن تقول في زوج ملكة جمال لبنان؟ وربما أخيراً لأن مروان كان من مفروضاً أن يكون الى جواره في السيارة بعد ظهر يوم الاثنين الثاني والعشرين من شهر يناير عام 1979 حين فجّر الإسرائيليون سيارته. يروي مروان "رأيت عن بعد أفراد الحراسة في السيارة المرافقة يطلقون النار على الشرفات والنوافذ في الأبنية المجاورة لمكان الحادث. كانت السيارة محترقة تماماً، والأشلاء متناثرة وقد قتل الانفجار فوراً جميع ركاب السيارة ما عدا سلامة نفسه الذي كان لا يزال حيّاً .. لكنه مات في المستشفى القريب الذي نقل اليه".

ولعل السؤال الجوهري هنا هو: كيف يقدّم مروان كنفاني ياسر عرفات، ما هي صورته وأهم ملامحها؟

قلت انه عرفه للمرة الأولى عندما قابله في 1969، وهكذا رآه "شاباً وافر الصحة، ممتلئاً بالحيوية، ضامر الجسم، كثير الحركة، سريع الخطى، سليم البدن، وثاقب التفكير". أنقل لك مباشرة صورة معاكسه لياسر عرفات رآها الشاهد نفسه بعد عام ونصف من حصاره في مقر "المقاطعة" المهدم في رام الله، أي في صيف 2004 "ولم يكن من الصعب على أحد في تلك الفترة ملاحظة ما تركه الحصار والعزل من تأثير على نفسية وصحة ومظهر الرئيس عرفات، فقد بدأ الشيب يطغي على لون شعر لحيته الذي طال عما اعتاد الناس على رؤيته، وابتدأ يفقد الشهية للطعام مما تسبب في هزال جسمه وتناقص وزنه، وابتدأت تتثاقل حركته النشيطة والدائبة، وتراخت خطواته السريعة في المشي اليومي الذي داوم على ممارسته حتى اللحظة الأخيرة، وطالت مدد التأمل والصمت والاسهام، وابتدأت تتصاعب محاولات التركيز والتذكر، ورغم ذلك فلم يتوقف الرئيس عن العمل".

ثم يورد مروان كنفاني هذه القرينة التي تضيف الى الجدل، الذي أظنه قد بات محسوماً حول خطة القتل بالسم التي نفّذتها إسرائيل حين قررت الخلاص من عرفات.. يروي "ساءت فجأة حالة الرئيس عرفات الصحية في منتصف شهر أكتوبر من عام 2004، وشهد يوما 27 و28 من أكتوبر اتصالات ومحاولات مكثّفة وجادة من قبل أطراف عربية منها مصر والأردن والسعودية، وأطراف دولية منها فرنسا  شهد يومي 27 و28 من أكتوبر عام 2004 اتصالات ومحاولات مكثّفة وجادة من قبل أطراف عربية، منها مصر والأردن والسعودية، وأطراف دولية منها فرنسا والاتحاد الأوروبي، لمحاولة إنقاذ حياة الرئيس عرفات، بعد توصلها جميعاً إلى قناعة بخطورة حالته الصحية. لم يتخلى الرئيس عرفات، حتى في أحلك الأوقات صعوبة وأكثرها ألماً وقلقاً، عن مطلبه في ضمان دولي لعودته بعد العلاج إلى رام الله. ونجحت المحاولات في هذه المرة في إقناع الولايات المتحدة ومن ثم إسرائيل بتحقيق شرطه للخروج من المقاطعة. أضافت تلك الموافقة الإسرائيلية المفاجئة على الرضوخ لشروط عرفات، فيما بعد، كثيراً من الشكوك في أنها كانت متأكدة، لأسباب مقنعة من قبلها، بأنه لن يعود. بعد أقل من 24 ساعة على مغادرة الرئيس عرفات للأراضي الفلسطينية صرّح مصدر أمني إسرائيلي أن قرار رئيس الوزراء شارون للسماح لعدوه اللدود للعودة بعد العلاج "كان بعد تقييمنا، أي الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بأن حالة عرفات لا يمكن إصلاحها وسوف تقود بالتالي بطريقة أو أخرى لاختفائه من الساحة السياسية ... إن هذا التقييم الأمني هو الذي قاد شارون لاتخاذ القرار بالسماح له بالعودة فيما لو نصح الأطباء بذلك، وفق حسابات بأنه من المحتمل أن لا يحدث هذا السيناريو أبداً".

ما الذي كان يعرفه الإسرائيليون حينها ولا يعرفه العالم؟

الجواب في كلمات قليلة من عندنا، انهم كانوا يعرفون أن خطتهم للخلاص من "عدوهم اللدود" قد نجحت، وأنه في سبيله فعلاً وحقاً. . للاختفاء.

في كتاب مروان كنفاني عشرات الحكايات الصغيرة والكبيرة ترسم كلها صورة زعيم وقائد يُعد بلا جدال من أهم الثائرين في القرن العشرين، رجل جم الذكاء، وافر النشاط، تصدّى لقيادة شعبه وهو يعي جيداً أن هذا قدره وقدر هذا الشعب كذلك، رغم أنه لم يولد في فلسطين بل ولد في القاهرة وتعلّم في مدارسها وجامعاتها، الاّ أنه حملها في قلبه، ولأنه كان يعرف خصوصية الشعب الذي تصدّى لقيادته، وأبرز هذه الخصوصيات أنه شعب بلا أرض، فلم يتخل عن هذه القضية الواحدة. قد تكون ضرورات العمل السياسي قد ألجأته، أكثر من مرة، الى اتباع أساليب ما يدعوه السياسيون بمقتضيات السياسة اليومية الاّ أنه حاول دائماً ألاّ يفقد الكثير وكافأه الشعب الفلسطيني والعربي أعظم مكافاة: هذا الحزن الطاغي الذي ألم بجماهيرهم عند رحيله، ولهذا يبدأ مروان كتابه الجديد بالقراءة بتلك الجائزة.