كتب ومقالات

مقالات متنوعة

محاضرة في مجلس الشؤون الخارجية المصري 19 يونية 2017

2018-07-31 03:33:08

 

مساء الخير وكل عام وحضراتكم بخير وصحة وسعادة

أود في البداية أن أعبّر عن غامر سعادتي واعتزازي بوجودي معكم هذا المساء، سعادة واعتزازاً أدين لهما لسعادة السفير منير زهران، رئيس مجلسكم الموقر، وأعضاء مجلس الإدارة، ولكم جميعاً، لإتاحة الفرصة لي بالتحدث أمام هذا الجمع الموقّر، والقامات الشامخة في عالم السياسة والقانون الدولي والأعراف والقيم الدبلوماسية الدولية. لقد كان لمصر دائماُ دوراً تاريخيّاً ومؤثراً في هذا الميدان، منذ أن شاركت مع دول قليلة ورائدة في التوقيع على ميثاق الأمم المتحدة، الهيئة الدولية الأولى والوحيدة التي أرست نفسها مرجعية فاعلة لتعايش دول هذا الكوكب منذ ما يقارب سبعين عاماً من الزمن.

كما أود ان أشكر بشكل خاص السيد جمال الشوبكي، السفير الفلسطيني لدى دولة مصر الشقيقة، والشخصيات الفلسطينية المتميّزة التي شرفتني بوجودها في هذا الحفل الأخوي.

كنت أتمنى لو كان اجتماعنا اليوم في ظروف افضل فيما يتعلّق بقضية فلسطين وشعبها. أو أن يكون حديثنا اليوم عن احتمالات مشجعة وإيجابية تبدو في أفق شعب مضطهد مظلوم يعاني من الاحتلال والبطش والاستيطان منذ قرن من الزمن. ولكن واقع الحديث الذي يدور حول ما تضمّنه كتابي الأخير لا يبشّر بتلك الاحتمالات المشجّعة، بل على العكس تماماً حيث سيركّز على أخطاء الماضي البعيد والقريب والحاضر، واحتمالات تدهور الأوضاع الفلسطينية إلى مزيد من المخاطر والانقسام.

يهدف عنوان كتابي الجديد" عن الفلسطينيين فقط.. جدلية النجاح والفشل"  إلى أن الكتاب لا يتطرّق إلى متاهة أدوار دول أخرى، عربية أو أجنبية، في المشاركة أو المسؤولية في الأحداث التي ساهمت في إيصال الوضع الفلسطيني إلى وضعه الحالي، ذلك هو موضوع آخر يحتاج ربما لكاتب آخر. كما أن الكتاب أيضاً واضح عن موضوع الكتاب واهتماماته "هذا الكتاب ليس عن فلسطين، بل عن الفلسطينيين، عن كفاحهم وعذابهم وتضحياتهم، وعن خلافات قياداتهم وأحزابهم  أيضاً واقتتالهم وتفرقّهم، تلك التي تركت آثاراً مؤلمة كثيرة وكبيرة على مسيرة أجيالنا لاستعادة أرضهم المسلوبة، وعلى إنجازاته، ومستقبل وطنه أيضاً".

"ثلاثة عشر سنة عجاف مرّت على شعبنا المقهور المعذّب لم تتقدم فيها قضية بلادنا وشعبنا قيد أنملة على الصعيد السياسي أو الاقتصادي سواء من قبل جماعة العمل السياسي التفاوضي أو من قبل جماعة المقاومة المسلّحة. ثلاثة عشر عاماّ قضاها شعبنا في الانغماس في اختلاف ومعارك حركتي فتح وحماس، منذ انتخابات عام 2006 ، إلى الحسم العسكري لفصل قطاع غزة عن ما تبقى من الجسد الفلسطيني، إلى تقاسم الدخول والضرائب، إلى حكومات توافق فاشلة، إلى انحياز الأخوين الفلسطينيين المتنازعين إلى أحلاف إقليمية ودولية مختلفة ومتصادمة، إلى اجتماعات سياحية تحت عنوان المصالحة التي لم ولا يبدو أنها ستحصل. كم ثلاثة عشر عاماً ستمر قبل أن نتحد؟

إن عوامل قوة شعبنا اليوم ليست ولا يجب أن تكون فقط في حيازتنا لأسلحة لا جدوى لها سوى التقوّي على بعضنا البعض،  لأن عوامل قوتنا الحقيقية هي شعبنا، وحدته وتوحّده، ودعم وجوده على ما تبقى من أرضه والزود عنها، وتيسير أمور حياته في مجتمع مدني ديمقراطي يحفظ حقوقه ويضمن احترامه، لأن ذلك هو الأمل والطريق الوحيد لاستعادة حقوقنا وأرضنا..

لا يساور قناعتي شك بأن المسئول الأول والأخير للمشكلة الفلسطينية الدامية

هي الحركة الصهيونية وربيبتها دولة إسرائيل، وأن فشل محاولات السلام وانهيار

خطوة الشعب الفلسطيني الشجاعة لتحقيق "سلام الشجعان"، سببها إسرائيل نفسها

وحلفائها الغربيين. ويقع كل ما ناقشه هذا الكتاب في خانة الإيمان المطلق بعظمة الشعب الفلسطيني، وصدقه في نضاله، وحتمية انتصاره. كما يهدف أيضاً إلى انتقاد فصائله وأحزابه وقياداته السياسية على تضييع فرص التقدم بقضية الشعب الفلسطيني العادلة، وإدمانهم على التمسّك بالرأي والرغبة في الحكم وعدم الاعتراف بالآخر، والتراشق بالاتهامات وأحياناً بالرصاص. يهدف الكتاب، من خلال النقد العرض والانتقاد والسرد التاريخي والتجارب الناجح منها والفاشل، إلى دعم وتقوية الموقف الفلسطيني، السياسي والمُقاوم، تجاه القوة العاتية لإسرائيل وحلفائها. إن قناعتي، والعديد العديد من شعبنا، تعكس إمكانية واستطاعة وقدرة الفلسطينيين على أن يكونوا في وضع أفضل مّما نحن عليه اليوم، وأن السلاح الأمضى لنا، قبل البنادق والصواريخ، هو وحدتنا، هكذا يقول الواقع والتاريخ، وهذا ما يقصده الكتاب."

يتطرق الفصلين الثاني والثالث من الكتاب إلى الأوضاع التي كانت تحيط بالشعب الفلسطيني وقياداته منذ اندحار الحكم العثماني عن البلدان العربية عام 1917، مروراً بتطور التحالف الصهيوني مع الغرب نتيجة للحرب العالمية الثانية ومن ثم حرب عام 1948.

حين تهيأ المسرح لحرب عام 1948 كانت حوالي ثلاثين عامًا قد مرت على هزيمة وانسحاب الجيش العثماني من فلسطين، وعلى بدء سيطرة الاحتلال البريطاني عليه، تاريخ صدور «وعد بلفور » أيضًا. ثلاثون عامًا أثبت فيها الشعب الفلسطيني على عزمه وتصميمه على خوض النضال وتقديم التضحيات للدفاع عن أرضه، ثلاثون عامًا لم يتوقف الشعب الفلسطيني الصابر الصامد عن تقديم الشهداء في وجه أعتى احتلال واستيطان شهده العالم، ثلاثون عامًا لم يتفق أو يلتزم فيها قادة وزعماء وأحزاب الفلسطينيين على قرار واحد أو عمل مشترك واحد، ولم تُقرَر، ولم توضع الترتيبات والخطط للدفاع عن الأرض الفلسطينية، ولا الاستعداد لحماية سكان المدن والقرى الفلسطينية المدنيين بالرغم من وضوح التهديدات الصهيونية المرعبة التي كانت واضحة للعيان من تجييش للجيوش وتدريب للمقاتلين واستيراد وصنع الأسلحة. ثلاثون عامًا لم تستطع فيها القيادات الفلسطينية ولا الأحزاب والمنظمات إسقاط خلافاتهم ونزاعاتهم والاتفاق والتوحّد وإقرار سبل مقاومة الخطر الداهم الذي يتربص بشعبهم، لم يحفروا ملجأً لمدنيين ولا مخزنًا لسلاح ولا ساحة لتدريب ولا حشدًا لشباب ولا برنامجًا مشتركًا للصمود، وعندما بدت حتمية وأخطار الموعد النهائي الذي حدده البريطانيون والصهاينة لتوجيه الضربة القاضية، وقف الشعب الفلسطيني وحيدًا يعصف به ويحدد توجهاته الخوف والضياع.

بعد صدور قرار التقسيم في نوفمبر من عام 1949، والغضب الشعبي الفلسطيني والعربي واحتمالات الصدام، كان السياسيون والمسؤولون العرب قلقين من الزجّ بجيوشهم وشعوبهم في هذه الحرب نتيجة لإدراكهم ومعرفتهم بفارق القوة على الأرض، وفي التحالفات القوية التي تتمتع بها إسرائيل.

ففي استعراض فاقع للقوة والدعم صوّتت دول العالم على قرار التقسيم الجائر بما يشبه الإجماع، منها أمريكا وفرنسا والاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية المستقلة كافة، بينما اعترضت ثلاث عشرة دولة، منها ست دول عربية وأربع دول مسلمة، وامتنعت عشر دول عن التصويت منهم إنكلترا. كان فارق القوة واضحًاَ لا يحتاج إلى دليل كما كانت توقعات نتائج المواجهة المسلّحة مع إسرائيل كارثية إلى حد كبير. كانت كل تلك التفصيلات معروفة لمعظم الزعماء العرب، وتم إبلاغهم بها من قبل البريطانيين والأمريكيين وغيرهم.

قبيل أسابيع قليلة من موعد تنفيذ قرار التقسيم وانسحاب الجيش البريطاني، كان الموقف العربي الرسمي لا يتعدى قيام تلك الدول بتسليح الشعب الفلسطيني وتسهيل انتقال المتطوعين العرب وتوفير مساعدات مالية وإدانة قرار التقسيم. فجأة وقبل حوالي خمسة أسابيع فقط من التاريخ المقرر للبدء في تنفيذ قرار التقسيم، ابتدأت الأوامر العليا تترى لقيادات الجيوش العربية للبدء بالتحشيد ووضع الخطط للتدخل العسكري فور انسحاب القوات البريطانية من فلسطين الذي كان قد تحدد أن يكون يوم الخامس عشر من مايو من عام 1948. كان ذلك القرار الذي بقي سراً لم يتحدث عنه أحد نتيجة للتوصل لاتفاق بين الدول العربية التي شكّلت الحلف العربي العسكري وهي مصر وسوريا والأردن ولبنان، وبين زعماء الصهيونية في فلسطين، بوساطة سرّية إنكليزية وأمريكية وتنسيق مع الأمين العام للأمم المتحدة، يتعهد فيه الأطراف على أن لا تتجاوز قوات أي منهم خطوط التقسيم التي حددها قرار 181 لعام 1947 . كان ذلك التفاهم هو الكلمة السحرية التي أعطت لقادة الدول العربية الضمان الوهمي باستبعاد أخطار الصدام المسلّح مع القوى العسكرية الإسرائيلية المتفوّقة، وبعدم تدهور الأمور وتكبّد الخسائر البشرية والهزائم الميدانية في الصراع الاستعراضي المقبل، بينما سوف يسعد الجماهير العربية والفلسطينية دخول الجيوش العربية للأراضي المخصصة للفلسطينيين في قرار التقسيم فقط، ويرفع عن كاهل الأنظمة احتمالات التقاعس والتفريط، الأمر الذي لم يكن في حسابات إسرائيل احترامه أو الالتزام به.

يمضى الكتاب في شرح تطور حرب عام 1948 وتضحيات الجيوش والمتطوعين والمقاومين الفلسطينيين والعرب التي لم تسفر رغم الحماس والاستبسال والشهادة، يخلص الكتاب إلى أن  انتهاء  حرب النكبة فتح الباب لبدء المعاناة الطويلة للاجئين الفلسطينيين وضياع معظم الأراضي الفلسطينية، وبقي ما زال بيد العرب من الأراضي الفلسطينية تحت إشراف القوات المصرية والأردنية التي ساهمت في حرب عام 1948 .

في 16 سبتمبر/أيلول أعلن فولك برنادوت، وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، أن العرب لم يبدو أي رغبة في تشكيل حكومة في القسم العربي في فلسطين ممّا قد يؤدي إلى ضمه إلى شرق الأردن. بعد سبعة أيام من هذا التصريح، وفي 23 سبتمبر/أيلول تم عقد اجتماع في مدينة غزة صدر بانتهائه الإعلان عن إنشاء حكومة عموم فلسطين بجهود مصرية وسعودية وسورية، بدأت فور ذلك الترتيبات لانعقاد مؤتمر أريحا المشهور في الأول من ديسمبر 1948. الذي بايع الأمير عبد الله بن الحسين وقرر انضمام الضفة الغربية للإمارة الأردنية. تأزمت الأمور واشتد غضب بعض الدول العربية وقررت الجامعة العربية فصل الأردن من عضويتها. استمرت الأزمة عدة أسابيع حتى أقر اجتماع تالٍ في عمان أن الخطوة الأردنية كانت للاحتفاظ بالضفة الغربية وحمايتها من الاجتياحات الإسرائيلية على سبيل الأمانة لحين تحرير باقي فلسطين. كان ذلك هو الانقسام الفلسطيني الأول الذي ارتكبه العرب والذي تبعته انقسامات أخرى ارتكبها الفلسطينيون أنفسهم.

لقد فشلت سياسات الدول العربية التي شاركت بإرسال قوات لمساعدة ومساندة الشعب الفلسطيني في صراعها غير المتكافئ مع قوات العدوان والاستيطان الصهيونية،  كما فشلت تلك السياسات في عدم إشراك القيادات الفلسطينية ومساندتها لتحمّل مسؤوليتها في حرب عام 1948 ، ورفض القادة السياسيون والعسكريون العرب تعيين قائد فلسطيني عسكري في القيادة العربية العسكرية العليا التي ضمّت عسكريين يمثلون القوات العسكرية العربية كافة ما عدا الفلسطينيين. لم يصل، حتى اليوم، أو يتفق المسؤولون العرب ولا السياسيون والمثقفون والأدباء الفلسطينيون والعرب على الأسباب التي دفعتهم لهذا التصرف ولا الهدف منه. يعزو البعض ذلك إلى أن هذا التجاهل العرب  كان سببه الانقسام الفلسطيني أو قناعة الزعماء العرب بعدم جدارة أي من الزعماء المحليين الفلسطينيين لتبوء هذا المنصب. تطلّب إنهاء هذا التجاهل العربي عشرين عامًا حتى تمكّن رجل فلسطيني اسمه ياسر عرفات من تبديد ذلك الوهم العربي.

يخلص الكتاب إلى أن حرب فلسطين كانت مغامرة عسكرية غير متوازية ولا عادلة وانتهت بتحصيل الحاصل والنتيجة المتوقعة المعروفة، وأضاف الاختلاف السياسي وعدم التنسيق وانعدام الثقة المتبادلة والشك والتشكيك بالنوايا بين الدول العربية وقادتها، ضعفًاَ إضافيًا للضعف العربي العسكري، ضعفًا ترك آثارًا ونتائج كارثية على منحى ومصير قضية الشعب الفلسطيني.

إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية كان عنوان الفصل الرابع من الكتاب. الأمر الذي يعتقد الكاتب أنه الخطوة الأساسية الأولى في سلسلة العمل المقاوم والسياسي للشعب الفلسطيني. 

عندما  تم في عام 1964 إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية من قبل الزعماء العرب، كانت هي الإطار الوطني الثاني للعمل الجماعي الفلسطيني الذي أنشأته

الدول العربية بعد تجربة الهيئة العربية العليا التي شُكلت في عام 1947 . كان تشكيل تلك الصيغة باكورة عمل فلسطيني واعد بعد نكبة عام 1948.

تواجد في الساحة الفلسطينية في ذلك الوقت تنظيمان فلسطينيان أساسيان أحدهما لا زال في عمر الوليد وهو تنظيم حركة فتح، والثاني هو الجناح الفلسطيني في حركة القوميين العرب الذي كان في قمة تواجده نتيجة للالتحام الجارف للجماهير العربية مع الأفكار القومية الوحدوية التي مثلتها الأحزاب الوطنية والقومية وخاصة حزب البعث العربي الاشتراكي وتيّار الرئيس المصري جمال عبد الناصر الوحدوي الذي آمن معظم الشباب العربي في أنه الطريق الوحيد لتحرير فلسطين. وحدها حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح » من كل الأحزاب والفصائل والتجمعات الفلسطينية، هي التي اختارت طريقًا مختلفًا حوّل تفكير وقناعات الجماهير الفلسطينية والعربية وسياسات الأنظمة والحكومات العربية. كان منطق ومنطلق حركة فتح بسيطًا ومُقنعًا وعمليًّا، وتبلّور حول واجب الفلسطينيين أنفسهم وحقّهم في أن تكون لهم الريادة والمسؤولية في تحرير بلادهم. اتبع مؤسسو حركة فتح قولهم بالعمل ولم ينتظروا إذنًا ولا تنسيقًا ولا ولاية ولا توجيهًا، وبرز من ذلك الزمن المبكر اسم ياسر عرفات كقائد شاب جديد للشعب الفلسطيني.

تحفّظت حركة فتح في الاعتراف أو التعاون مع منظمة التحرير وهاجمتها بضراوة باعتبارها هيمنة عربية على مقدرات الشعب الفلسطيني، وهاجمت أيضًا التنظيمات، والمقصود هنا هي حركة القوميين العرب، التي أيّدت واعترفت بمنظمة التحرير، وردت تلك التنظيمات بتوجيه اتهامات لحركة فتح باعتبارها تتبنى برنامجًا يهدف لتوريط الدول العربية، والمقصود هنا مصر بالذات، وانحيازًا لسوريا التي لم تكن على وفاق مع نظام الرئيس عبد الناصر. ابتدأ هذا التراشق بالاتهامات، وأضحت منظمة التحرير عاجزة عن القيام بأي دور ملموس سوى الدخول في معارك كلامية مع الأردن. استمر هذا الوضع في سنوات منظمة التحرير الأولى، حيث بقيت حركة فتح بعيدة عن المشاركة فيها، وابتدأ العداء بالتصاعد بين منظمة التحرير وحركة القوميين العرب التي، اصبحت لاحقاُ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وساءت علاقات منظمة التحرير مع الأردن.

أوقفت مؤقتًا حرب عام 1967 هذه الحالة وابتدأ التغيير في العلاقات بين

الأطراف المختلفة لتشهد الساحة تبادلاً في مواقف المنظمتين الأكبر في العمل السياسي الفلسطيني حيث انضمت حركة فتح في عام 1968 وترأس زعيمها ياسر عرفات منظمة التحرير الفلسطينية، بينما اتخذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين موقفًا سلبيًا من منظمة التحرير تم تصعيده لاحقًا بالانسحاب منها.

 قبل نهاية عام 1967 كانت هناك في الأردن عدة تنظيمات فلسطينية، سياسية وقتالية، قادرة ومؤثرة على القرار الذي تتخذه أية قيادة سياسية مشتركة، بعضها قديم وبعضها جديد، بعضها بمبادرات فلسطينية ذاتية وبعضها بدعم أو إيحاء من أنظمة عربية مجاورة، وانتقل الجدال والخلاف بين الفصائل الفلسطينية إلى صدامات مسلّحة في الأردن وبعدها في لبنان باكتساح إسرائيلي عسكري، وتسببت في جرّ قيادة التنظيم القائد، حركة فتح في ذلك الوقت، إلى مواجهات ومواقف لم تكن في حساباتها ومخططاتها، وبالتالي إلى خروجها وجميع القوى الفلسطينية الأخرى من هذين البلدين. فقط في المحطة الثالثة للتواجد الفلسطيني السياسي خارج الأراضي الفلسطينية، في تونس بعد خروجها من لبنان في عام 1082 ، استطاعت الحكومة التونسية فرض سلطتها على تواجد ونشاط منظمة التحرير الفلسطينية وعاشت منظمة التحرير الفلسطينية وتنظيماتها ومكاتبها وأفرادها في ضيافة الشعب التونسي اثني عشر عامًا بحفاوة وسلام قبل أن يغادروها إلى بلادهم في منتصف عام 1994.

خصص الكاتب الفصل الخامس بكامله للحديث عن حركة فتح وحركة حماس والرحلة الدامية بينهما بدءاً بالتراشق بالكلام وانتهاءاً بالتراشق بالرصاص.

 جاءت الولادة الرسمية لحركة حماس عام 1987 متأخرة ثلاثة عقود تقريبًا عن

بدء العمل السياسي والقتالي لمنظمات وتنظيمات فلسطينية عتيدة، ونحو ثلاثة وعشرين عامًا بعد إنشاء التنظيم الأساسي والموحّد، منظمة التحرير الفلسطينية، التي اعترفت بها قانونيًّا الدول العربية بأسرها والغالبية من الدول الإسلامية كما اعترف بها واقعيًّا معظم دول العالم.

وكما جاءت ولادة حركة فتح تحمل معها رفض الفكر السياسي لمن سبقها من الفصائل والأحزاب الفلسطينية، مثل حزب البعث وحركة القوميين العرب وغيرها، رفضت حركة حماس منذ بداياتها الأولى كل مؤسسات ومنطق وتاريخ ما قبلها وأطلقت شعار الجهاد كفريضة والمقاومة شعارًا، ورفض التفاوض أو التعايش

مع "الكيان اليهودي"،

أعلنت حركة حماس منذ بداياتها أن عدوها الأساسي هو إسرائيل، إلاّ أنها أيضًا

ومنذ اليوم الأول لقيامها أشهرت الحرب على حركة فتح وعلى منظمة التحرير

الفلسطينية وتاريخهما وأهدافهما رغم أن الأخيرتين لم يكونا بعد أطرافًا في أيّ

مفاوضات مع إسرائيل، ولم يكن قد تم إعلان قيام الدولة الفلسطينية عام 1988

على الأراضي المحتلة في عام 1967 ، ولا كان اتفاق أوسلو قد وُلد بعد. لم تتوانَ حركة فتح من الرد على تلك الاتهامات بإعادة الروايات عن شهر العسل بين أجهزة الأمن الإسرائيلية وحركة حماس، وعن اتفاق  حول مؤامرة إسرائيلية لتسهيل إعطاء إنجازات ودور فتح إلى تنظيم حماس.

ابتدأ الرئيس عرفات في تاريخ مبكر محاولاته للتوصل لفهم وإيجاد وسيلة للتعامل مع هذا التنظيم الجديد الذي كان يبدو مختلفًا عن التنظيمات الفلسطينية الأخرى التي استطاع استيعابها خلال سنوات طويلة. بعد عودة الرئيس عرفات للأراضي الفلسطينية في شهر يوليو 1994، والاستقبال التاريخي الذي قوبل به من الشعب، وبات في أزهى حالات الرضا والثقة. استمر هذا الهدوء النسبي لعدة أسابيع ليحل محله نوع آخر من جس النبض بين قوى حركة حماس من جهة، وبين القوة الجديدة الوافدة إلى الأراضي الفلسطينية، السلطة الوطنية الفلسطينية وعمودها الفقري حركة فتح من جهة أخرى. كانت حركة حماس في تلك الفترة قد ترعرعت وانتشرت داخل المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة، وشاركت في الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي قادها عمليًّا وسياسيًّا الرئيس عرفات من مكان تواجده في تونس.

ابتدأ «جس النبض » الحقيقي والرد على اتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي في

صيف عام 1994 ، قامت حركة حماس بعدة عمليات لمهاجمة المستوطنات الإسرائيلية التي كانت لا تزال في محيط قطاع غزة أو على أطرافها. في الأسبوع الثاني من شهر نوفمبر، قامت مجموعة من حماس بمهاجمة حدود مستوطنة نتساريم الإسرائيلية جنوب مدينة غزة وقامت أجهزة الأمن الفلسطينية باعتقال بعض كوادر حركة حماس، على اعتبار أن هذا العمل كان موجهًا ضد السلطة الوطنية ويهدف لإحراجها في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات تجري من أجل الاستمرار في تنفيذ اتفاق السلام. رّدت حركة حماس على تلك الاعتقالات بالإعلان عن تنظيمها لمظاهرة يوم الجمعة التالي  بعد صلاة الجمعة تنطلق من مسجد فلسطين الواقع في قلب مدينة غزة، تواجدت قوات كبيرة من أجهزة الأمن والشرطة خارج المسجد لمراقبة الأمور أو لمنع التظاهر، واحتشد عدد كبير من أنصار حركة حماس في مسجد فلسطين وألقى الإمام خطبة نارية ألهبت المصليين الذين تدفقوا بعد انتهاء الصلاة من المسجد يحملون اللافتات والأعلام التي كانت جاهزة على مداخل المسجد. بينما حاول المسؤولون الأمنيون إقناع المتظاهرين بعدم الاستمرار في المسيرة. بدأ إطلاق نار كثيف اتهم فيما بعد كل من الطرفين الآخر ببدئه من خارج المسجد، وسقط نتيجة لهذا الاشتباك 12 قتيلاً وجرح العشرات جراء إطلاق النار من الطرفين، كانت تلك هي المرة الأولى التي يسقط فيه ضحايا منذ قدوم السلطة الوطنية إلى الأراضي الفلسطينية.

كان العامل الأقوى والأكثر تأثيرًا على مستقبل العلاقة بين حركة حماس من

جهة ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح بشكل أساسي من جهة أخرى أكثر

تعقيدًا وخطورة، فلقد تبنت حركة حماس منذ إنشائها منهجًا قائماً على معاداة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها مؤسسة علمانية الفكر غير ملتزمة بمبادئ الفهم الديني لطبيعة الصراع الإسلامي اليهودي الذي هو، من وجهة نظر الإخوان المسلمين وحركة حماس بالتالي، جوهر المشكل. ولقد حرصت حركة حماس منذ إنشائها على التركيز ليس على ذلك التفسير الديني للصراع فقط، ولكن أيضًا على خطأ توجهات منظمة التحرير الفلسطينية ومنهجها القائم على الفكر القومي والعلماني الذي سوف يتسبب، مثلما تسببت الأنظمة العربية المماثلة، في ضياع فلسطين وتدهور أوضاع العالم العربي الحالي. قامت حركة حماس أيضاً، بمشاركة أجهزة إعلام وفضائيات عربية وخليجية بحملة تجريم وإدانة قاسية لما اعتبرته الخيانة التاريخية التي ارتكبتها قيادة منظمة التحرير بقبولها بالدخول في مفاوضات استسلامييه، وتنازلها المشين عن ثمانين بالمائة من الأراضي الفلسطينية، وتخليها عن الثوابت الفلسطينية القاضية باستعادة فلسطين كاملة، وتخلّيها، أي حركة فتح، عن مبادئ الشرع الإسلامي الذي يعتبر كل أراضي فلسطين وقفًا إسلاميًّا لا يجوز التفريط به أو التنازل عن جزء منه. تطورت تلك التعبئة في وقت لاحق إلى اتهامات مباشرة بالتعاون والتنسيق مع الإسرائيليين ضد حركة حماس والفصائل الفلسطينية المقاومة، إضافة للضرب على وتر الفساد والإفساد المالي والأخلاقي. جعلت تلك التعبئة القاسية، ولتلك المدة من الزمن، من المستحيل على قادة حركة حماس إعادة إقناع كوادرهم بضرورة أو إمكانية التعاون أو التشارك مع هذه السلطة الفاسدة وطنيًا وماليًا وأخلاقيًا. ولسوف تظهر آثار ونتائج تلك الممارسات والتعبئة من الطرفين بعد سنوات قليلة، وخاصة بعد وفاة الرئيس عرفات والانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وذلك من خلال الصدامات الدامية والمواجهات المدمرة بين الطرفين والتي تميّزت بضراوتها، وحشيتها في بعض الأحيان، والتي غلّفها الحقد والقسوة والعنف غير المبرر.

إذن ما هي حقيقة الخلاف بين حركتي فتح وحماس؟

هناك موضوعان أساسيان يبرزان بجلاء في هذا الصدد، أولهما هو خلافاتهما في

الشأن الفلسطيني الداخلي، والثاني هو اختلاف استراتيجية إدارة الصراع مع إسرائيل. أمّا بالنسبة للسياسة الداخلية والشأن الفلسطيني فإن التفسير والإجابة المحزنة لأسباب الخلاف بين التنظيمين الفلسطينيين الأكبر، في ظل أنهما يختلفان على أيّ شيئ بينما يتطابق تصرفهما في كل شيء، يتمثّل عمليًّا في حقيقة واحدة هي رغبة كل من الطرفين بالتفرّد في حكم ما تبقى من أرض فلسطينية ومن يعيش عليها من شعب ممزّق مقهور من قبلهما ومن قبل الاحتلال الإسرائيلي أيضاً. ولقد شهدت خلال سنوات طويلة تحوّل مواقف التنظيمين الفلسطينيين، وتغيّر أولوياتها، ورجوعها عمّا كانت تدّعي من مواقف ثابتة ومبدئية، وتبريراتها حول هذا التغيير والتحوّل، في صراعاتها الطويلة على النفوذ والتفرّد والسلطة، واتهامها للآخر بالتفريط بالحقوق والمصالح. فحين كانت حركة فتح تملك مقاليد السلطتين التشريعية والتنفيذية كانت جاهدة السعي للاستحواذ على مطلق الصلاحية والولاية السياسية والإدارية والأمنية، وتستغل تمتعها بالأكثرية في الحكومة والمجلس

التشريعي لفرض القوانين والسياسات التي رأت أنها متوافقة لاستراتيجيتها في الحكم والتزاماتها باتفاقاتها الدولية، وكان غالبية وزرائها ومدراءها العموميين وسفرائها وموظفي حكوماتها من أعضاء حركة فتح.

كان ذلك مصدر انتقاد دائم من حركة حماس التي كانت قد عزلت نفسها وكوادرها تمامًا عن المشاركة في الحكومة أو الحياة السياسية الفلسطينية المشتركة. اختلفت الأدوار فقط بعد نجاح حركة حماس في الفوز بالانتخابات التشريعية لعام 2006، وحققت أغلبية في ذلك المجلس الذي دأبت خلال عشرة أعوام على رفض التعاون معه وتعتبره بنداً مفروضاً على الشعب الفلسطيني وانبطاحاً وإطاعة لاتفاق أوسلو المشين، حيث قامت هي في هذه المرّة بالاستغلال الضيّق الأفق لأكثريتها المقررة في الحكومة والمجلس التشريعي وسط الانتقادات التي أثارتها حركة فتح حول ذلك، والتي لم تختلف كثيراً عن انتقادات حركة حماس في الفترة السابقة.

الواقع يؤكد حكومة السلطة وحكومة حماس، في وضعهما الداخلي، هما وجهان لعملة واحدة، اختلاف في الوسائل وتماثل في الأداء. كان عدد من قيادات

حركة حماس، خاصة السيد هنّية والدكتور الزهّار، يكررون الشكوى والتذمّر خلال

اجتماعاتنا الدائمة معهم حول طريقة تصرّف ومظهر وعمل قيادات فتح والسلطة

الفلسطينية، والمظاهر الفاقعة لمواكبهم، وفخامة المركبات، وكثافة الحراسة حولهم، وامتيازاتهم ومعاملاتهم المالية، وتعدد أجهزتهم الأمنية، وقيامها بملاحقة واعتقال المجاهدين نيابة عن إسرائيل، وكثرة وتضارب أحاديثهم الصحفية والإعلامية، وعدم قدرتهم على حماية المواطنين الفلسطينيين من بطش العدوان. واليوم، وبعد حوالي عشرة أعوام من حكم حركة حماس، تتعرّض هي نفسها لمثل تلك الانتقادات، فمواكب السيارات المصفّحة والفارهة التي تحمل مسئولي حماس تروح وتغدو محاطة بعشرات الحرّاس المدججين بالسلاح، وكاميرات التصوير والمراقبة تحيط بمكاتبهم ومنازلهم، والأموال العامة تنتقل في حقائب ووسائل غير موثقة ولا مأمونة، وصرف المرتبات والمخصصات يبدأ، وقد ينتهي أحيانًا، بالموظفين والكادر التابع لحركة حماس، وأول ترتيبات الحكومة الجديدة كان إنشاء جهاز أمني جديد مطلق الولاء لحركة حماس، وتصريحات العدد الكبير ممّن يتحدثون باسم حركة حماس تملئ الأثير، وفيما لو استمرت حكومة وحركة حماس أيضًا، في حراسة الجانب الشرقي من قطاع غزة ومنع "المجاهدين" من إطلاق الصواريخ، والمطالبة بتسليم الفصائل والأحزاب الأخرى لأسلحتها، فسوف تُتهم  كما هي اتهمت السلطة وفتح، بالقيام بملاحقة واعتقال "المجاهدين" نيابة عن إسرائيل. وتبدو حكومة حماس اليوم، وحركتها، وكتائب القسّام، عاجزة تمامًا عن حماية نفسها والمواطنين الفلسطينيين من العدوان الإسرائيلي، كما أنها تقتصر بالبيانات والتصريحات على إجراءات إسرائيل في إقامة وتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية.

فتح وحماس ليستا متخاصمتين ولا متصادمتين في ساحات الوغى وأتون المعارك،

ولا هما مختلفتان حقيقة على مبادئ وسبل وأسلوب وأهداف إدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وقد أثبتت قرارات وتصريحات حركة حماس فيما يتعلّق بالدولة الفلسطينية ذلك، وإنما هما في صراع حول السلطة ومناطق النفوذ، وما يطالب به الشعب الفلسطيني ليس مصالحة بينهما، لأن هناك مصالحة واقعية وعمليّة بينهما أساسها الرضا المشترك والطوعي على تقاسم البلاد والعباد وما يتبعه من مصالح وفوائد. إن تبرير هذا الرضا بما قُسم لا يحتاج منهما سوى الادعاء باختلاف برامجهما الوطنية السياسية، واختلاق أزمات عسكرية أو سياسية بتوالي فترات الزمن. لقد فشلت التجربتان السابقتان لحكومتي الوفاق والتوافق لأن طرفيهما لا يريدان صيغة حقيقية وفاعلة لعمل فلسطيني وطني مشترك، بل تمسكا بالخيار الأكيد لتفشيل أي حكومة مشتركة عن طريق تجاهل الشرط الأساسي لنجاحها وهو التوصل إلى برنامج وطني مشترك تعمل على أساسه الحكومة التوافقية. هل يمكن أن يخلص المرء بنية بريئة بأن كلا الطرفين سعيد بما لديه من بقايا الأرض الفلسطينية وبمن يحكمهم من ساكنيها الفلسطينيين المُنهكين، ومصمم على الاحتفاظ بما لديه؟

يعتبر الفلسطينيون على اختلاف مشاربهم

بلادهم وحتى اليوم، أن أي جزء من أرض فلسطين التاريخية هو ملك لهم، عزيز

على قلوبهم، لا يجوز ولا يصح التنازل عنه أو المساومة عليه. وتقع غزة وقطاعها في قلب فلسطين والفلسطينيين باعتبارها أصلاً وليست بديلاً، جزءًا وليست كيانًا، له ما للفلسطينيين كافة وعليه ما عليهم. ولقد كانت غزة وقطاعها عصيّة على الاحتلال الإسرائيلي ومقاومة له في تاريخها وقبل تسلّم حركة حماس السلطة فيها، وبعد ذلك في تصدّي مقاتلي حركة حماس البطولي للاجتياحات الإسرائيلية، وضرب أهلها أمثلة مشرّفة في التضحية والفداء والتمسّك بالأرض.

، منذ الطلقة الأولى في مسيرتهم لتحرير

ولكن الصراع، الغامض في غالبيته، بين الاستراتيجيتين، الإسرائيلية والحمساوية،

يضعنا في أحجية يصعب فهمها أو تفسيرها. فمن ناحية،  ليس سرًّا أو معرفة جديدة بأن إسرائيل في ماضيها وحاضرها ليست مهتمة ولا راغبة أو ساعية في احتلال أو استيطان أو ضم قطاع غزة وملحقاته، ذلك أن عين ويد إسرائيل في ماضيها وحاضرها مركّزة وطامعة في القدس وأراضي الضفة الغربية. ولقد استغلّت إسرائيل وسوف تستمر في استغلال كل سبب أو عمل في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو أي منطقة عربية أخرى لتحقيق هذا الهدف. ورد في التوراة تعبير واضح حول هذا الموضوع، ملعونة أنت يا غزة"، وعرض بن غوريون على الملك المصري فاروق، من خلال وسيط يهودي مصري في أواخر عام 1948، ضم غزة وضواحيها للتاج المصري الأمر الذي رفضه الملك في حينه، ونقل الرئيس أنور السادات إلى الرئيس عرفات اقتراحًا من رئيس الوزراء بيجن بإنشاء دولة فلسطينية في غزة، ورفض الرئيس عرفات ذلك، وانسحبت إسرائيل طوعًا من قطاع غزة عام 2005 في تخطيط مدروس للإيقاع بين الفلسطينيين أنفسهم. وقد احتفلت ورحبت كلّ من حركة فتح وحركة حماس بهذا الانسحاب واحتفلا ببذخ وسرور بهذا الإنجاز، وعزت الحركتان سبب الانسحاب إلى نجاح المقاومة في تحرير الأرض الفلسطينية والخسائر التي تكبّدها الاحتلال الإسرائيلي في غزة، بينما تركتا دون تفسير مقنع سبب عدم انسحاب القوات الإسرائيلية المحتلة من أي جزء من القدس والضفة الغربية على الرغم من خسائرها العسكرية والمدنية التي فاقت بكثير خسائرها المحدودة في قطاع غزة.

في المقابل وفي ناحية أخرى، وفيما يتعلق باستراتيجية حركة حماس في صراعها مع الاحتلال والشعارات المرفوعة في هذا الشأن، فتعتمد حركة حماس بشكل أساسي على تبني المقاومة وسيلة وهدفًا، في الوقت المنظور، لمنع إسرائيل من اجتياح أو العدوان على غزة. وهذا أمر يتفق عليه جميع الشعب والفصائل والمنظمات الفلسطينية وقاموا بممارسته وبالذات حركة حماس لأعوام طويلة. ولكن حركة حماس اليوم ليس في مقدرتها، ولا رغبتها أيضًا، ربما لفترة طويلة قادمة من الزمن، العمل على تحرير أجزاء من الضفة الغربية أو الأراضي التي احتلتها إسرائيل في عام 1948 . والمحصّلة لهذا الشرح الوجيز تقود إلى نتيجة واضحة هي أن إسرائيل لا تريد الهجوم أو احتلال كل أو أجزاء من قطاع غزة، وأن حركة حماس لا تنوي، حتى الآن، تحرير أجزاء من الضفة الغربية. فأين سبب أو ساحة الصدام بينهما؟

وماذا يمثّل شعار المقاومة هنا؟ ولماذا التهديدات المتبادلة بين الطرفين حين يكون الأمر الواقع في معظم السنوات العشر الأخيرة هو التهدئة المتبادلة بين طرفين لا يبغيان الصراع والمواجهة؟

في الوقت الحالي ترتبط السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح باتفاق مع إسرائيل

اسمه "اتفاق أوسلو"، بينما ترتبط حركة حماس باتفاق مع إسرائيل نفسها اسمه

"اتفاق  التهدئة". وكلا الاتفاقين يحتويان على شروط وبنود ولا يحتاجان لاحترامها أو تنفيذها إلى العودة لمفاوضات أو إضافات أو تفسيرات. فأثناء الصدامات الدموية بين قوى السلطة وحركة فتح مع الاعتداءات والاجتياحات الإسرائيلية الوحشية على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت السلطة الوطنية تطالب بتطبيق "الاتفاقات الموقّعة" بين الطرفين، والتي يقف على رأسها اتفاق أوسلو التي ترفضه حماس، في سعي القيادة الفلسطينية لتحقيق ضغوط دولية توقف شلالات الدم والدمار. ومن وقت لآخر وعلى جبهة أخرى في قطاع غزة وبعد كل فترة زمنية قصيرة من القتال بين قوات حركة حماس والجيش الإسرائيلي في اعتداءاته واجتياحاته لأراضي القطاع الفلسطيني، ومن خلال وساطات، مصرية غالبًا وخليجية أحيانًا وربما تركية قريبًا، تعلن حركة حماس قبولها للعودة لـ"اتفاق التهدئة" وتربط ذلك مع توضيح يقول بأن هذا القبول رهين بقبول إسرائيل للتهدئة وفقًا لشروط "اتفاق التهدئة" الثابتة والمعروفة للطرفين بشكل لا يحتاج لشرح.

المقاومة، ليست شعارًا واستراتيجية وأسلوب عمل تمّ اختراعه وممارسته واحتكاره منذ ظهور حركة حماس فحسب، ففي فقه النضال الفلسطيني أطلقت حركة

فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومنظمات فلسطينية أخرى هذا الشعار، وأضيف إليه تفسير يتعلق بطبيعة المقاومة، حين أعلن زعماء فلسطينيون أمثال الرئيس الراحل ياسر عرفات والقائد الفذّ جورج حبش شعار "المقاومة المسلحة".. عقوداً عديدة قبل صدور البلاغ الأول لحركة حماس التي انضمت لركب الفداء والدم وأثبتت قدرتها وإصرارها وقدّمت، على غرار الفصائل الفلسطينية السابقة في العمل، تضحيات عزيزة ومشهود لها. الكفاح بكافة أنواعه وخاصة منه الكفاح المسلّح ليس منهجًا أبديًّا لا بديلاً أو توقفًا أو عدولاً عنه، هو ليس غاية وإنما وسيلة، يخضع استمرارها أو توقفها أو وحتى إلغاؤها للمصالح العليا للقضية والشعب الفلسطيني.

في ظل استمرار الوضع الحالي بين التنظيمين الفلسطينيين الأكبر من انقسام

واستعانة بالأحلاف الإقليمية والدولية، يتصاعد التخوّف الأخطر في أن تتحوّل

الأراضي الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى بؤرة من بؤر الاقتتال الداخلي الوحشي، على النمط الذي نشهده في بلدان ومدن عربية حولنا، خاصة وأن الراغبين والداعمين والممولين لمثل هذا الاقتتال جاهزون ومتحمّسون حولنا وعلى بعد قليل منّا، هذا الاقتتال الذي لن يكون لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي أو التدخّل الأجنبي، ولكنه سيكون بين فصائل جديدة وعديدة ومتطوعين يهرعون لنصرتها، فصائل من معارضة مسلّحة، معتدلة أو متطرفة أوسلفية وربما قومية أو وطنية، والتي بدأت بوادر تواجدها ونشاطها بالظهور في الفترة الأخيرة.

يتحدث الفصلين السادس والسابع من الكتاب بإسهاب عن موضوع استغرق الكثير من النقاش والإتهام في تاريخ العمل السياسي الفلسطيني وقبل وقت طويل حتى من تبلور الخلاف حول هذا الموضوع  بين قادة ومنظّري حركتي فتح وحماس. وقد زاد من حدة هذا النقاش وعداوته ووضعه في عليّة القداسة، تدخّل المفكرين والمؤرخين والكتّاب العرب والإسلاميين والثوريين واليساريين، وبرامج تلفزيونية وكتب ومقالات صحفية، وتهديدات وتحريم وتكفير، مع معرفتنا جميعاً، وممارساتنا العلنية والسرية، المباشرة وغير المباشرة، أن موضوع التفاوض، حين تدعو الظروف إلى ذلك، والإتصال والحديث والمجادلة وإثبات الحق هو جزء من النضال الذي مارسته كل الشعوب، ولم تحرّمه أي من الديانات، وقد مارسه الأنبياء والخلفاء والملوك والسلاطين عبر التاريخ.

إن التفاوض حين تدعو الظروف والأمور إليه هو ضرورة سياسية ووطنية، والحرب في مفهومها الحقيقي هي تفاوض ولكن بالسلاح وليس بالحجة، وأن نتائج الخيارين الحرب أو التفاوض هي ذاتها، ولا يعطي أي من الخيارين لأي من المشاركين سوى حجم قوته على الأرض ليس أكثر أو أقل. والطرف الذي يملك القوة المتفوقة لا يحتاج للتفاوض لأن الحسم هو ملك يديه، ولكن تحقيق بعض المكاسب ودرء أخطار ممكنة هو الذي يدفع الطرفين إلى التوجه للحديث والإقناع والحجة.

والتفاوض لا يعني التنازل ولا ثبات الوضع وديمومته، وليس هناك في تاريخ البشرية مثالاً واحداً لاتفاق بين طرفين بقي سارياً بعد أن تغيّر ميزان القوة بين الطرفين المتعاهدين. وانتهى معظم سعي الشعوب للاستقلال، وبعد تضحيات جسيمة وحروب طويلة، بالتفاوض مع الغاصب المحتل وقبول بعض الشروط المجحفة التي انهارت وتبددت بعد سنوات قصيرة.

أتت خاتمة الكتاب لتؤكد أسس المشكلة بين الفصائل والحركات والأحزاب الفلسطينية المتصارعة، ولتقدم بكل التواضع والانفتاح سبل العودة للتماسك والتوحد. إسرائيل لا تخشى حركة حماس، ولا حركة فتح، وهي غير معرّضة واقعيّاُ لحرب من دولة أو دول عربية أو إسلامية. قد تكون قوة حركتي فتح وحماس العسكرية والقتالية كافية لكل منهما للسيطرة والحكم في الضفة الغربية وقطاع غزة، بترحيب وتهليل من إسرائيل نفسها، ولكن البدء في تحرير فلسطين أو على الأقل المحافظة على ما تبقّى منها، يحتاج إلى أكثر بكثير من قوتهما اليوم، وأول الطريق للوصول لذلك هو تحقيق وحدة الشعب والأرض الفلسطينية، الأمر الذي يبدو أن كليهما غير قادر أو ربما غير جاد أو غير راغب في التوصّل إليه.

تُواجه اليوم الكيانات السياسية في أجزاء من العالم، وخاصة منطقة الشرق الأوسط، نفس تلك التحديات والمعطيات التي واجهتها مثيلاتها منذ قرن مضى، والتي سوف تجلب معها التغيير والتأقلم اللازم لمواجهة واقع وتحديات المستقبل، ولسوف تستمر في بلادنا الحروب الصغيرة، وتنافر القوميات والأديان والمذاهب، والهجرة والدمار، وتفسّخ الشعوب وإنقسامها. كما سوف يعاد تشكيل الدول والكيانات السياسية بما يتوافق مع سيطرة وحسم القوى الأعظم حول الروابط والأسس الجديدة التي ستفرضها احتياجات وواقع المستقبل.

قد يكون من المؤلم والمحزن أن نعترف اليوم، وبعد حوالي خمس سنوات من التقاتل والتناحر والغضب والدمار والقسوة والعناد، وبعد التعوّد على مشاهد الموت والذبح والشنق والسجن والتهجير والكره، بأن الروابط القديمة التي جمّعت ووحّدت شعوبنا العربية والإسلامية خلال القرن الماضي على الأقل، قد انهارت ولن تعود، ولسوف تتبدّل حدود دول، وتتغير أنظمتها السياسية ووحدتها ومركزيتها ومسمّياتها.

وهذا الكلام لا يُقصد به فصيل بعينه مع في بلادنا، بل يقصدهم جميعًا في

معرض مسؤوليتهم، أحزاب وفصائل وبالذات الفصيلين الأكبر والأقوى، حركة فتح

وحركة حماس. ثلاثون عامًا من التناحر والتقاتل، وجهد جاد لتوسيع الخلاف وخلق الأسباب، وتعميق النزاع وترسيخ الانقسام والتفرد بالسلطة رغم أنهما يواجهان عدوًّا واحدًا موحّدًا وقادرًا وغير خائف ولا وجل من جهودهما السياسية ولا نشاطهما المقاوم اللذين حققا لذلك العدو، خلال العقد الأخير على الأقل، أزهى عقود الأمن والأمان منذ إنشاء دولته الغاصبة على أرض شعبنا التاريخية. أرى اليوم واجبنا جميعًا بأحزابنا وقيادتنا يتمثل في فهم ومن ثم البدء في العمل للخروج من الموقف العدمي الحالي الذي لم يتقدم بقضيتنا على درب السياسة والتفاوض ولا انتزع لنا نصرًا في ميادين القتال، بل جعل خلافنا واختلافنا هو الأساس وجهدنا في محاربة بعضنا بعضًا هو الأولوية لقد انتهز أعداء شعبنا ما نحن فيه من تفرّق وانقسام ليزيدوا من عذاب شعبنا الصابر المجاهد، لم يُنهك من خلافاتنا أحد إلاّ شعبنا، ولم يُقتل إلاّ شبابنا وأطفالنا، ولم تهدم إلاّ بيوتنا. لم يمضِ على شعبنا يوم إلا وكان أمسه أفضل منه، ولن يأتي في المستقبل المنظور يوم إلا وغده أسوأ منه.

من يستطيع اليوم أن يقرر أو يدّعي أنه يتكلم باسم الشعب الفلسطيني أو بما يريد

الشعب الفلسطيني، كل الشعب الفلسطيني؟

هل هي حكومة نصف الشعب الفلسطيني ومالكة الخمسة والثمانين بالمائة من

الأرض الفلسطينية المتبقية، أم تلك التي تحكم النصف الفلسطيني الآخر من السكان والسيطرة على 350 كيلومتر مربعة من تلك الأراضي؟

هل يستهدف العمل الفلسطيني السياسي والمقاوم ما تطالب به حماس، المتمثل

بالمقاومة حتى استرداد الأرض الفلسطينية كافة؟

أم هو ما تؤمن به المنظمات الإسلامية التي لن تقبل إلا بالخلافة الإسلامية الحاكمة لكل البلاد الإسلامية؟

أم هو برنامج الجبهات أصحاب نظرية من البحر إلى البحر؟

أم هو من يتمسّك به أولئك الذين التزموا باتفاق أوسلو ويعملون من أجل تنفيذه؟

إن شعبنا لا يطمح اليوم للحل الأمثل لقضيته، ليس لأننا لا نريده ولكن لأنه

غير ممكن التحقيق. إن وضعنا الداخلي الممزق، وعدم توازن قوتنا مع قوة إسرائيل، ولا تحالفاتنا بالنسبة لتحالفات إسرائيل، ومواقف الأمم المتحدة وغالبية دول العالم، واتجاهات الرأي العام العالمي، هي عوامل واضحة سبق لنا دفع ثمن باهظ ومؤلم لعدم إدراكها وتجاهلها. نفس هذه العوامل هي التي تفرض علينا، كما فرضت منذ أربع وعشرون عامًا على الرئيس عرفات القبول بالحل الممكن حتى نتأهل، إن كنّا جديرين، لمرحلة الحل الأمثل.

إن المهمة الأولى والوحيدة في سلّم الأهمية الملقاة على كاهل الفصائل الفلسطينية

وقادتها اليوم هي العمل على إعادة الوحدة للأرض والشعب الفلسطيني. ووقف

العمل والكلام حول المصالحة بين حركتي فتح وحماس وبدء الكلام والعمل لإيجاد

صيغة يكون التوحَد فيها في مصلحة القضية والشعب وليس مصلحة حركتي حماس وفتح فقط.

الشعب الفلسطيني يريد بتبسيط شديد اتفاق الفصائل الفلسطينية جميعًا، وفتح

وحماس بالذات، على برنامج عمل سياسي مشترك يلزمنا ويمث