كتب ومقالات

مقالات متنوعة

مروان كنفاني السياسي والمفكر

2018-08-06 12:51:50

مروان كنفاني السياسي والمفكر

السيد محمد أبو الفضل

جريدة الأهرام 1/2/2018

كثيرون يعرفون أن مروان كنفاني كان لاعبا في النادي الأهلي وحارسا لمرماه لنحو عشر سنوات وكثيرون يعرفون أنه من الفلسطينيين الذين لهم باع طويل في السياسة، واقترب لفترة طويلة من الرئيس الراحل ياسر عرفات وعمل معه مستشارا سياسياً، وكان قريبا منه في التفاوض مع اسرائيل وصولا لاتفاق أوسلو والإعلان عن السلطة الفلسطينية ثم استشهاده في نوفمبر 2004 لكن قليلين يعرفون أنه مثقف من طراز رفيع ومفكر كبير، وله نظرة عميقة لكثير من تفاصيل القضية الفلسطينية وآفاقها الراهنة والمستقبلية، لذلك عندما تقرأ كتابه ، سنوات الأمل وللفلسطينيين فقط . جدلية النجاح والفشل، تجد نفسك أمام نماذج حية لا تتغير تقريبا، ربما تتغير اسماء الشخصيات لكن غالبية التفاعلات والمواقف والحسابات والتقديرات تتكرر أمام عينيك وهو ما يمكن وصفه ب "ادمان الفشل"

سنوات الأمل التي تحدث عنها كنفاني في كتابه الأول تحولت الى سراب بسبب الخلافات المتجذرة بين القوى الفلسطينية ، وهو ما تكشف تجلياته في كتابه الثاني (جدلية النجاح والفشل) الذي قدم تفسيرا مباشرا أو ضمنيا . لسؤالين في غاية الأهمية ، الأول لماذا تعثرت القضية الفلسطينية؟ والثاني ما هو مصير المصالحة الفلسطينية؟

قد تكون إجابة السؤال الأول معروفة ، أو يمكن الاجتهاد في وضع نقاد محددة لأبرز الملامح التي تفسر أسرار كل هذه الاخفاق ، وبالطبع الإجابة تتوقف حسب الخندق الذي يقف فيه كل شخص ومروحته السياسية والثقافية ورؤيته الشخصية ، لكن عند كنفاني خطيا رفيعا يركز على عدم التوافق حول برنامج وطني واحد، كمبرر لإدمان الفشل وهو محق تماما ، ومن يتتبع بدقة التطورات على مدى نحو قرن سيصل بسهولة الى هذه النتيجة.

في إجابته عن السؤال الثاني، كان جريئاً للغاية ، جرأة المثقف والسياسي والعالم بخبايا أمور كثيرة ولم ينحز ، مثل كثير من الشخصيات الذين توقفوا عند هذه القضية، الى فصيل أو حركة فلسطينية بعينها، بل أدان الجميع وكال النقد للجميع، وانصف من يستحقون الانصاف ووضع يديه على أهم عقدة، وتتعلق بتثبت كل من حركتي فتح وحماس بالسلطة والنفوذ والاستحواذ وفرض الهيمنة، حتى لو أدى ذلك الى التأثير سلبياً على القضية الفلسطينية.

مفتاح الحل بالنسبة للمصالحة واضح ومحدد وعنوانه معروف عند كنفاني وغيره من الفلسطينيين المخلصين، وهو التخلي عن النظرة الشخصية وتغليب الأبعاد الوطنية والالتفاف حول برنامج وطني لا فصائلي، والتفاهم على رؤية سياسية واحدة لا رؤيتين وربما ثلاث.

التشدق بالحل السياسي أو التمسك بسلاح المقاومة مثلا ، يخفى كلاهما اشياء أخرى، تصل الى حد التفاهم على قواعد اللعبة مع من بطشوا بالقضية الفلسطينية، والذهب الذي يلمع على السطح من هذا الطرف أو ذاك قد يخفى حديدا صدئاً عندهما.

جميع جولات المصالحة التي جرت في مصر أو غيرها، لم تستطع تحقيق هذه المعادلة ، لذلك لم تتمكن من وضع حد للخلاف بين فتح وحماس، وفي رأي كنفاني ان الهوة سوف تظل بعيدة، مهما تكن الجهود المخلصة التي تبذلها مصر طالما بقي كل طرف قابضا على جمرة موقفه.

إمعان النظر في الطريقة التي تتعامل بها كل حركة مع المصالحة يعزز القناعات التي ترسخت عند السيد مروان كنفاني وهي أنه لا مفر من البرنامج الواحد وادراك طبيعة التحولات الإقليمية والدولية ووضع اسرائيل في القلب منها، وهو تقدير اكتسبه من قراءته الموضوعية للأحداث وتوازنات القوى الرئيسية والجهات الفاعلة في العمق، كذلك الدوائر الموجودة على الهامش وتريد الايحاء بأنها في المركز .

من يمعن قراءة الملفات التي فجرها كنفاني في كتابه يتأكد أنه أمام مفكر حقيقي ، درس وعايش القضية الفلسطينية من جوانب مختلفة وتوصل الى استخلاصات عملية، ومشكلته الأساسية أنه يحب الابتعاد عن الاضواء، ويريد الاحتفاظ بمسافة بينه وبين الإعلام، مع أنه يمتلك المقومات اللازمة للتعامل معه باقتدار.

في الندوة التي نظمها معرض القاهرة الدولي للكتاب وأدارها الدكتور احمد فؤاد انور ، السبت الماضي، كنت المعقب الوحيد على كاتبه، جدلية النجاح والفشل ، ودار نقاش طويل بيننا حول مضمون الكتاب ألخصه في خمس نقاط أساسية.

الأولى: ان الكتاب تضمن عنوانا تمهيديا "عن الفلسطينيين فقط" بينما أرى أنه عن العرب أيضا، لأن القضية الفلسطينية كانت وما زالت أم القضايا ويصعب محوها من الذاكرة والوجدان العربيين وما تطرق إليه الكتاب يخصنا جميعا ويكشف عوراتنا وأزماتنا السياسية. كما أن هناك دولا عربية تفاعلت مع هذه القضية مصر في مقدمتها باعتبارها جزءاً من أمنها القومي، والمحتوى العام للكتاب لم يغفل القضاء العربي ومؤثراته السلبية والإيجابية على القضية الفلسطينية .

الثانية : يبدو أن هناك ارتياحا عاما للانقسام من قبل فتح وحماس والولايات المتحدة واسرائيل وبعض القوى الإقليمية التي تجد ضالتها في استمراره لأنه يمكنها من الاقتراب من مفاصل سياسية لم تكن تستطيع الاقتراب منها في حال الإصرار على التوافق الفلسطيني ، وهذه الجهات تلعب أدوارا مختلفة لتغذية الانقسام وتخريب محاولات القضاء عليه.

الثالثة: صعوبة تمرير صفقة القرن، ومع أن قرار الرئيس دونالد ترامب بشأن الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها ، لقى إدانات واسعة وبدا كأنه صدر لمزيد من التفجير السياسي ، غير أن كنفاني يرى أن نص القرار يخفي أكثر مما يعلن فهو لم يتحدث عن القدس الموحدة وهي ثغرة يمكن أن تنفذ منها واشنطن لامتصاص الغضب الذي خلفه قرار ترامب  وتبنى عليه خطتها لصفقة العمر.

المشكلة ليست في التفسير، لكن في قدرة الولايات المتحدة على تمرير مشروع مكتمل للتسوية السياسية، سوف يكون مرفوضا من الجانبين الفلسطيني  والاسرائيلي ، لأنه يتطلب تقديم تنازلات قاسية يصعب قبولها لأنها تمس ثوابت من الصعوبة التخلي عنها، بالتالي فالصفقة معرضة للفشل قبل أن تتضح ملامحها النهائية ، والحديث عنها من وراء الكواليس ومحاولة تذليل العقبات عبر تقديم إغراءات لن يكفي لتمريرها ، فلا تزال البيئتان  الفلسطينية والإسرائيلية غير قادرتين على تكرار تجارب التسوية المستحيلة.

الرابعة: تتعلق فكرة الزج بالتيار الإسلامي في الانتخابات، ويؤكد مروان كنفاني أنها بدأت مع ضغط الولايات المتحدة لإجراء انتخابات تشارك فيها حماس، وهو ما رفضه طويلا الرئيس الراحل ابو عمار، وقبله الرئيس الحالي محمود عباس، وهي الانتخابات التي أجريت عام 2006 وحققت فيها حماس تفوقا لافتا وكانت نقطة تحول مفصلية في عمر القضية الفلسطينية ومقدمه لتكريس الانقسام .

هذا الاتجاه يبين لنا لأي درجة تتكاتف وتتضافر الخيوط بين حماس وبعض القوى الدولية، ورغم مرارة التجربة التي تخوضها الحركة منذ عشر سنوات غير أنها خلفت وراءها نتائج جيدة بالنسبة لواشنطن جعلتها تتجرأ وتؤيد، وربما تحرك ، ثورات الربيع العربي من خلف ستار، وتشجع على ضرورة وصول الإسلاميين للسلطة في دول عربية عديدة.

النقطة الخامسة: تتعلق بوفاة أبو عمار، والتي تحدث عنها كنفاني في كتابه الأول (سنوات الأمل) دون أن يقطع بطبيعة الدور المادي الذي لعبته إسرائيل في استشهاده ، لكن لم يبرئها واعتبرها مسئولة عن وفاته ، وكانت لها محاولات سابقة لاستهدافه ، وحكى لي السيد مروان بعض التفاصيل لكن لم استأذنه في نشرها.

التعامل المباشر مع مروان كنفاني عزز يقيني بانني أمام سياسي ومفكر، لديه الكثير من التفاصيل المهمة عن القضية الفلسطينية، ولو فتح صندوق معلوماته سوف نتمكن من فهم الكثير من الأبعاد التي غابت عنا طويلا، وما زلنا ننتظر منه قراءات مستفيضة للمستقبل عن آليات الخروج من المأزق الفلسطيني الصعب.