كتب ومقالات

مقالات متنوعة

أعداء عرفات الجدد

2018-09-12 02:07:13

{

ِ

مقال لمستشار الرئيس عرفات مروان كنفاني في جريدة الواشنطن

بوست الأمريكية في 30/10/1994. مترجم عن اللغة الإنكليزية

 

أعداء عرفات الجدد

الدفاع عن القائد "الملطّخ"  بالنعوت

التقى ياسر عرفات مؤخراً في الدار البيضاء اسحق رابين للمرة الرابعة منذ أن تصافح هؤلاء الأعداء للمرة الأولى في واشنطن قبل عام من الزمن، ويستطيع عرفات الآن أن يحسب الأشياء التي اكتسبها منذ التوقيع على اتفاقية السلام في الشرق الأوسط، وتتضمن تلك المكاسب مجموعة من النعوت العامة مثل الديكتاتور والطاغية والمعادي للديمقراطية والمحاسبة المالية. لقد حلّت هذه التسميات الجديدة محل النعوت العامة القديمة على غرار الإرهابي والمعادي للسامية التي كان يتمتع بها لفترة طويلة من الزمن. الفارق الوحيد بينهما، وفق الصحافة الدولية،  هو أن النعوت القديمة كانت ممنوحة من قبل أعدائه الإسرائيليين، بينما تأتي الاتهامات الجديدة ليس فقط من الإسرائيليين  ولكن أيضاً من مواطنيه، ومن مفكرين فلسطينيين، وعدد قليل من زملائه في منظمة التحرير الفلسطينية، وبعض أعضاء السلطة الفلسطينية.

كان من الطبيعي، إن لم يكن من المحتم، أن يشعر الفلسطينيون في الداخل والخارج بالقلق من أن السلطة الفلسطينية الجديدة المولودة في غزة وأريحا، وقائدها ياسر عرفات، قد يمارسون الدكتاتورية، فلقد تحولت العديد من حركات التحرر الوطني إلى دكتاتوريات بعد تولي السلطة في العالم الثالث، وتحديداً في العالم العربي. ولا يجب أن ينكر أحد حق أو التزام النقّاد في مراقبة تحركات وأعمال السلطة الفلسطينية باستمرار فيما يتعلق بالحريات الأساسية لمواطنيها. ولكن عدم مصداقية التهجمات من بعض المثقفين المغتربين، على مثال الباحث الأمريكي إدوار سعيد، والذين عارض الكثير منهم اتفاق السلام منذ إنشائه، لا يعكس ولا يخدم الواقع.

لقد كان للتدابير التي اتخذتها السلطة الفلسطينية في الأشهر الأربعة الوجيزة منذ عودة عرفات إلى الأراضي الفلسطينية تأثير ملموس حتى أن أشد أعداء اتفاق السلام وعرفات أيضاً يعترفون بذلك. وربما تكون النتائج غير كافية، ولكننا لا نستطيع ولا يجب أن ننكر أو نتجاهل هذه التغيرات. تتركّز الأولويات في ذهن مسؤولي السلطة الوطنية في تحقيق الأمن والعمل على إعادة الحياة إلى طبيعتها. غزة وأريحا اليوم آمنتان وربما كذلك معظم المدن الأخرى في المنطقة، المواطنون يتجولون بحرية ليلاً ونهاراً تحت حماية الشرطة الفلسطينية وقوات الأمن. لقد انتهى عهد سفك الدم الفلسطيني والسجن والاعتقال والنفي مع انسحاب قوات الاحتلال.

تبدو المؤشرات الأولى للحياة الطبيعية الآن واضحة في الأسواق والمحلات والحقول. اليوم يحاول المواطنون الفلسطينيون إيجاد مكان لهم ولأبنائهم في هذا المجتمع الجديد، رغم الوضع الاقتصادي الصعب الذي ورثوه. المدارس والجامعات قد عادت، وأكثر من نصف مليون طالب يحضرون صفوف في غرف مكتظة تعمل فترتين في اليوم الواحد، عشرات الآلاف من المنازل تحت الإنشاء من قبل القطاع الخاص. يشارك المواطنون الفلسطينيون اليوم في الحياة الاقتصادية والتجارة والمؤسسات التجارية وفي غضون ثلاثة أيام على افتتاح فرع لأحد البنوك المحلية أودع صغار المستثمرين ما مجموعه ستة ملايين دولار في إثبات عملي للثقة في أنهم يعيشون في مستقبل مستقر. تم البدء في تشكيل الجهاز التنفيذي والوزارات الإدارات الحكومية ويجري تدريب مئات الشباب والشابات الفلسطينيين على الاساليب في الاشراف على انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف جهات مانحة دولية متخصصة.     

تم إعادة افتتاح دور السينما، وكذلك المطاعم والحدائق، واستقبل شاطئ غزة أهالي غزة كل مساء خاصة يوم الخميس في الليلة السابقة للعطلة الأسبوعية. قد تبدو هذه الأحداث طبيعية في مجتمعات أخرى لكنها نادرة وغير عادية في المجتمع الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الاحتلال. تذكر إذا أردت  الوضع في الأراضي المحتلة قبل أن تفرض السلطة الوطنية سيطرتها، لقد كنت واحد من أوائل الذين دخلوا غزة واريحا مع قوات الأمن الفلسطينية في ذلك اليوم الحار والرطب من شهر مايو. كانت مدينة غزة في المرحلة الأخيرة من أمراض مميته، خدماتها الاساسية قد وصلت لتوقف ساحق والخوف، ليس فقط من الإسرائيليين فحسب، يسيطر على كل شيء. الجار يخاف من الجار والكل يخشى القتل والدمار. الإدارة الحكومية والبلدية والمدارس كانت مغلقة، القمامة تملئ الشوارع التي كان معظمها مغلقاً أو ممنوع المرور فيها، لم يكن هناك أمن حيث ساد الظلام.

كان قد تم التخلي تماماً عن شاطئ البحر، أخبرني مالك فندق صغير شاطئ غزة الجميل أنه استقبل سبعة نزلاء فقط خلال السنوات الست الماضية، أُجبر المواطنين للبقاء في منازلهم من غروب الشمس الى الصباح فقط ليفتحوا أعينهم فقط على مدينة تنتظر إعلان الوفاة رسمياً.  تقارير وسائل اعلام عالمية وخبراء يتوقعون بصورة غير معلنة بأن انفجاراً، قتال داخلي أو خراب أو هجرة عامة أو حرب أهلية لا يمكن تجاوزها، في اللحظة التي تغادر فيها القوات الإسرائيلية وتفرض السلطة الفلسطينية سيطرتها.

 أين نحن اليوم بعد كل ذاك؟

يجب علينا أن نكون حذرين للغاية في التعامل مع الوضع الذي يتم إنشائه في فلسطين وقلقين من أن نصبح سجناء للأفكار المسبقة. يواجه الفلسطينيون الآن الحقيقة البسيطة للحياة والموت، الحقيقة التي تفرض نفسها أولوية لا تخضع للنقاش. إن المصير المخيف الذي يجب أن يكون في تفكير الجميع ليس فقط تخيّل خطر الوقوع في ديكتاتورية عرفات، ولكن الخطر الحقيقي  يكمن في مستقبل على غرار أفغانستان ورواندا. أولئك الذين لا يعيشون في فلسطين الآن، ولا يخططون لذلك في المستقبل، لا يقدّرون تماماً إلحاح هذا الخوف.

منذ الهجوم الفاحش والفظيع قبل اسبوعين على متن حافلة في تل أبيب، يطالب تقريباً جميع من في إسرائيل ياسر عرفات فتح النار على أعضاء حماس ومؤيديها. مع ذلك فإن أعضاء حماس الذين لا يشاركون في العنف، وهم على قدم المساواة مع الفلسطينيين الآخرين والإسرائيليين الذين يعلنون عزمهم على تقويض عملية السلام أو تغيير أسسها، إن هذه المعارضة هي بالطبع جزء من الديمقراطية. ولكن هناك حماس الأخرى، حماس العنيفة، التي لها نظيراتها بين المنظمات الإسرائيلية التي تؤمن وتمارس العنف. كل تلك المنظمات أصبحت مشكلة يجب مواجهتها، ولكن كيف؟ 

ان أسهل الطرق هي توجيه أصابع الاتهام الى ياسر عرفات، وإعلامه بما يجب أن يفعله. ولكن هذا لن يعد مفيداً أكثر من فائدته للفلسطينيين الذين لا يكفّون عن تذكير رابين أنه كان مخطئا في اتهاماته المتكررة في وقت مبكر من الشهر من أن المختطف الإسرائيلي وخاطفيه هم في غزة التي هي تحت سيطرة عرفات، علماً بأن كافة الهجومات الإرهابية الأخيرة وقعت في المناطق التي تحت سيطرة إسرائيل. كما لن يفيد أيضاً تكرار التأكيد على أن عرفات لم يكن وراء تأسيس أو دعم حماس المتشددة التي تعتمد في المقام الأول في تمويلها وتسليحها على مصادر غير فلسطينية، بل  أنها استفادت من مصادر إسرائيلية. هل يجعل حماس أقل خطورة إذا أُشير الى أنها قتلت عدداً أقل من المدنيين مما فعل الإسرائيليون المتطرفون في مدينة الخليل قبل عام من الزمن؟ لا بالطبع. هل تمكين رابين من إلقاء المسؤولية على أي شخص آخر يساعد عرفات لتحمل واجباته الأخلاقية والقانونية في فرض القانون والسيطرة في فلسطين ويواجه التزاماته الدولية؟ بالطبع لا.

ولكن بعد ذلك، من العدل أن نسأل عمن هو المسؤول وكيف نحارب التطرف والعنف؟

التطرف هو حالة ذهنية تتولد على البيئة، المتطرفون هم من صنع البيئة وليسوا مولودين متطرفون. إن غالبية الفلسطينيين لا زالوا يعتقدون أن لا شيء قد تغيّر منذ المصافحة في حديقة البيت البيض، الاحتلال الإسرائيلي لا يزال قائماً، ربما ليس بيننا ولكنه بالتأكيد حولنا وفوقنا، الفلسطينيين لا يزالون في مواجهة مع الغطرسة الإسرائيلية كل صباح، الطائرات المقاتلة الإسرائيلية تحلق بالقرب من اسطح المنازل المتزاحمة في غزة، وما زال الجنود الإسرائيليون يقيمون حواجز طرق ويفحصون بطاقات الهوية عشوائيّاً حول المستوطنات، قوارب البحرية الإسرائيلية تقطع مياه الساحل الفلسطيني ، المسافرون الفلسطينيين يتم تأخيرهم وإذلالهم على المعابر والممرات التي لا زالت تحت السيطرة الإسرائيلية، العمال لا زالوا ممنوعين من الالتحاق لوظائفهم في إسرائيل بعد سنوات طويلة من اعتماد إسرائيل عليهم كمصدر للعمالة الرخيصة، ولكن مع ذلك فإن عائلاتهم يجب أن يأكلون.

كل هذه الممارسات، التي يعارضها عرفات بشدة، هي ضد نص وروح اتفاقات السلام. إن تسليم المعابر للسلطة الوطنية وإتمام تكامل سلطة السلطة الفلسطينية وتوسيعها إلى بقية المناطق لا زالت معلّقة. شكك الإسرائيليون بالتزام عرفات بالديمقراطية لكنهم لم يسمحوا بإجراء الانتخابات، وينشغل البنك الدولي بموضوع المسائلة المالية وليس بالتخطيط لتقديم المزيد من المساعدات التي تجلب الأمل. ولقد فقدت الدول المانحة حماستها، والوظائف المحلية تكاد تكون غير متوفرة. إن ما يبعث على الحزن أن لا احد يهتم. ان بيئة اليأس التي سادت هي أرض خصبة للعنف. لقد تم تصوير الأزمة في العلاقات بين السلطة الفلسطينية والمؤسسات المالية الدولية على أنها رفض من قبل عرفات لأي نوع من الرقابة والمسائلة المالية، أو قبوله في منح سلطة واضحة لخبراء اقتصاديين غير سياسيين لمراقبة الصناديق المالية  وسير البرامج المدعمة، وهذا ببساطة غير حقيقي. لقد وافق كلاً من السلطة الفلسطينية والبنك الدولي ليس فقط على ضرورة ومسؤولية المجتمع الدولي لتقديم المساعدة المالية والتقنية للفلسطينيين فحسب بل وأيضاً على الحاجة إلى إنشاء المؤسسات واللجان اللازمة لتنظيم المسائلة والحفاظ على هذه المساعدات.

من الواضح أن يكون هناك جدل واختلاف في وجهات النظر حول كيفية القيام بكل ذلك في دولة تم تدمير بنيتها التحتية بالكامل، لكن الافتراء هو أن النقاش الشرعي يؤخذ كدليل على أن عرفات يرفض المسائلة لأنه يريد أن تكون هذه الأموال له ولمؤيديه. في الواقع فإن السلطة الفلسطينية قد أبدت مرونة كبيرة خلال التاريخ القصير لتعاونها مع البنك الدولي، ربما بسبب الوضع الاقتصادي البائس في فلسطين.

 من المهم أن نتذكر أن الاحتلال قد تركنا مع العديد من الصعوبات، في مجال جمع الضرائب والرسوم للمياه والكهرباء والصرف الصحي. أحد الأسباب الرئيسية لعدم تمكن السلطة الفلسطينية من تحصيل هذه الضرائب والرسوم هو فشل سلطة الاحتلال الإسرائيلي بتسليم البيانات والسجلات الضرورية. نحن على ثقة بان الاجتماعات الأخيرة بين مسؤولي السلطة الفلسطينية وتلك التابعة للبنك الدولي ستؤدي إلى تحسين التعاون بين بين الجانبين.

الموضوع الآخر والأكثر خطورة لا بد أن يتعامل مع الترتيبات اللازمة لتأمين السلامة والاستقرار للشعب الفلسطيني في مجتمع عانى طويلاً من فوضوية وفوضى الاحتلال. لقد تم توجيه الاتهام لعرفات بأنه قد اتخذ أساليب غير دستورية في هذا الصدد لا سيما في وقف توزيع صحيفة محلية. ولكن يبدو أن الناقدين يميلون إلى تجاهل حقيقة أن صحيفة "النهار"، التي هي بالمناسبة ليست الصحيفة أو المنشور الوحيد الذي ينتقد عرفات، هي الصحيفة الوحيدة التي توقف توزيعها لفترة قصيرة نتيجة مخالفة إدارية تتعلق بفشل الصحيفة في الحصول على ترخيص قانوني للتوزيع في فلسطين، عادت الصحيفة للعمل كالمعتاد بمجرد اتباعها للوائح التي تنظم نشر وتوزيع الصحف وانتهت القضية عند ذلك.

من الصواب إعطاء اهتمام خاص ويومي لضمان الاحترام للقانون والنظام في فلسطين والإصرار على الحماية المستمرة والدفاع العنيد عن حريات وحقوق الفلسطينيين كأفراد أو جماعات. إن الشعب الفلسطيني لم يقدّم الكثير من التضحيات والعديد من الضحايا خلال سنوات طويلة للوقوع مرة أخرى في براثن الديكتاتورية.  ياسر عرفات يعرف هذا جيداً ويعترف بفخر أنه لا يقود قطيعاً من الغنم، كما أنه يعرف ايضاً ان الحرية والإيجابيات المستقبلية للشعب الفلسطيني لن يتم تعزيزها من خلال الأحكام المسبقة والشكوك غير المبررة والمبالغ بها. لن يتحقق التقدم إلاّ من خلال محاولة فهم المشاكل والأولويات التي يواجهها الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، السلطة التي لا ينبغي أن تكون فوق النقد أو خارج دائرة المسائلة.