كتب ومقالات

مقالات متنوعة

المبادرة الأمريكية

2019-09-17 00:45:11

 

الإنتخابات الإسرائيلية وإطلاق المبادرة الأمريكية

المواجهة الأخيرة

مروان كنفاني                     

أيام معدودات تفصلنا عن الحدثين اللذين قد يغيّرا الوضع السياسي والأمني الذي ساد في العقد الأخير في منطقة الشرق الأوسط، وبالذات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. إن الإنتهاء من الإنتخابات الإسرائيلية سوف يطلق العنان للبدء في تنفيذ المبادرة الأمريكية لمحاولة التوصل لسلام منشود بين هذين العدويين اللدودين.

ومن الضروري أن نشير هنا لملاحظتين أساسيتين تتعلق بكلا الحدثين ذات التاثير المباشر على الجهود الأمريكية، وردود الفعل الإسرائيلية والفلسطينية في المسيرة الوعرة لتحقيق السلام المنشود. تتعلق الملاحظة الأولى بأن المبادرة الأمريكية ليست مشروعاً أمريكياً رسميّاً مرتبطاً بقرارات وموافقات مجالس تشريعية أو تنفيذية أمريكية أو هيئات حكومية مثل وزارة الخارجية أو الدفاع الأمريكية، بل هي مٌقترحاً رئاسيّاَ أطلقه الرئيس الأمريكي ترامب ويستطيع منفرداَ إلغائه أو تأجيله أو تعديله كما يشاء ويرى. كما أن هذا الجهد الرئاسي الأمريكي لا يلزم أي رئيس أمريكي منتخب آخر في حال فشل الرئيس ترامب من النجاح لفترة رئاسية ثانية في العام المقبل، أو تدهور الأوضاع في إحدى الأزمات الأخرى، مثل الأزمة الأمريكية الإيرانية، أو أن يصرّ الجانب الفلسطيني على رفض التعامل مع المبادرة الأمريكية أومناقشة شروطها التي يتوقع الفلسطينيون أن تكون الأسوأ على أحسن حال.

وتتعلق الملاحظة الثانية بالتردد والتأجيل بشكل مريب في إعلان بنود المبادرة الأمريكية، وتقديم الجزء المالي والاقتصادي في اجتماع المنامة، والصمت المطلق من جميع الأطراف، ما عدا الطرف الفلسطيني، في التعليق على بعض البنود التي تم تسريبها بالقبول أو الرفض. يبدو اليوم السبب واضحاَ يتلخص بمحاولة تجنب أن  تصبح بنود المبادرة الأمريكية مجال خلافات ومزايدات ومواقف في الإنتخابات الإسرائيلية القادمة، قد تضر أو تنفع المتزاحمين على تبوأ منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وتلبية فيما يبدو لطلب المرشح نتانياهو بالذات. إن إعلان بنود واقتراحات المبادرة الأمريكية ونتانياهو رئيساً للوزراء يختلف تماماً عن كونه مجرد مرشّح للمنصب يتحتم عليه أن يبدي الرأي في بعض البنود التي يختلف عليها جمع الناخبين الإسرائيليين. هل هناك اختلاف بين الأحزاب الإسرائيلية حول بنود المبادرة الأمريكية؟ يعتقد العديد من المراقبين إن فشل نتانياهو في الفوز بمنصب رئيس الوزراء الإسرائيلي سوف يعكس الشكوك في إمكانية نجاح المبادرة الأمريكية.

الموقف الإسرائيلي تجاه المبادرة الأمريكية بعد إعلانها، سواء نجح نتانياهو أو أحد متحديه، لن يفرض تغييراَ أو تعديلاَ على المبادرة الأمريكية. فقد أعطت تلك المبادرة الحد الأعلى لما تريده إسرائيل. ولكن هناك لغطاَ في فريق نتانياهو يتعلق بعدم الموافقة على بعض بنود المبادرة الأمريكية فيما يتعلق بالذات بربط الأراضي لفلسطينية، أو ما تبقى منها، بأراضي قطاع غزة بشكل يضمن سهولة التنقل، وبالتالي تدعم السيطرة، للسلطة الوطنية الفلسطينية، في ذلك القطاع. إلى جانب اعتراض فريق نتانياهو على الانسحاب من بعض المستوطنات غير القانونية !! المتواجدة في الضفة الغربية. ولكن من الثابت أنه لن يتم إضافة مكاسب جديدة لإسرائيل. من المتوقع ايضاَ أن لا  يكون هناك تباين في الموقف الإسرائيلي بين مرشح وآخر نتيجة للهيمنة الأمريكية الكاملة على إعداد وتنفيذ مبادرة الرئيس ترامب.  

المشكلة هي، كما كانت دائما، تكمن في الموقف الفلسطيني. هل لدى الفلسطينيون الحد الأدنى من القناعة أن هناك فرصة يمكن الاستفادة منها من نلك المبادرة الأمريكية؟ الإجابة واضحة لا تحتاج لدليل، وقد عبّر عنها الرئيس الفلسطيني بوضوح لا يحتاج لتفسير. ولكن التساؤل التالي هو كيف سيتفادى الفلسطينيون النتائج المدمّرة لرفضهم المبادرة الأمريكية؟. هذه النتائج التي ستحقق للأسرائيليين التمتع بكل المزايا التي منحتها لهم مبادرة الرئيس ترامب دون أن يدفعوا بالمقابل أي ثمن لها.

أمام القيادة الفلسطينية خيارين لاا ثالث لهما. الااستمرار في المقاطعة والتقوقع تجاه هذه الخطوة الأمريكية العدائية ليس للسلطة الوطنية الفلسطينية فحسب بل وللشعب الفلسطيني والأمة العربية والقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة والإتفاقات التي تمت بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. أو أن تعمل مع أصدقائها من الدول لتشكيل رأي عام دولي وموقف معلن يتبنى دعم مفاوضات فلسطينية إسرائيلية بإشراف الأمم المتحدة للتوصل إلى اتفاق سلام مقبول من الطرفين. قائم على أسس حل الدولتين واتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي لعام 1993 والمبادرة العربية لعام 2002. إن معظم دول العالم سوف تدعم هذا الموقف. تعمّد نتانياهو مقابلة رئيس الوزراء البريطاني، الدولة الأقرب للولايات المتحدة والأكثر مسؤولية عن التطورات التي أوصلت الوضع الفلسطيني إلى ما هو عليه الآن،  في لندن الأسبوع الماضي، في أسوأ الأحوال والضعف التي يعاني منها رئيس الوزراء جونسون في موضوع الإنسحاب من عضوية الاتحاد الأوروبي. لم يتأخر رئيس وزراء بريطانيا من الإعلان بأن هدف بريطانيا "كان ولا يزال هو حل الدولتين" وأن بريطانيا "تنتظر مقترح واشنطن للتوصل لاتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني يعالج مخاوف الطرفين". فإذا كانت بريطانيا تدعم هذه الأسس لسلام فلسطيني إسرائيلي فإن غالبية دول العالم لا تمانع في إبداء رأيها في هذا الموضوع.     

لا يمكن للفلسطينيين وقياداتهم قبول المبادرة الأمريكية وفق ما تناثر من معلومات عنها. ولا يمكن للدول العربية والإسلامية والصديقة أن تقبل تلك المبادرة أيضاَ، ولن يتطوع أحد من تلك الدول لإقناع الفلسطينيين بقبولها. ولكن على الفلسطينيين أن يشاركوا بل ويقودوا تشكيل رأي عام دولي حول أفكار فلسطينية مقبولة دولياَ. رأي عام يدعم موقف الفلسطينيين للتصدي لهذه الخطوة الأمريكية الخطيرة والعدائية للشعب الفلسطيني، كان من المفروض أن تعبّر القيادات الفلسطينية علناَ عن شكرها وتأييدها لما قاله رئيس الوزراء البريطاني وتدعو دول العالم للتعبير عن دعمها للتوصل لسلام فلسطيني إسرائيلي على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية واتفاقات السلام والمبادرة العربية.

الفلسطينيون لا يستطيعوا وقف الخطر الداهم القادم من الولايات المتحدة وحدهم. ويتحتم عليهم أن يحثّوا دول العالم على الوقوف إلى جانب الفلسطينيين  في كفاحهم من أجل التوصل لاتفاق سلام عادل، وأن يشارك العالم الشعب الفلسطيني  في رفض الحلول المنحازة والجائرة لحقوق الفلسطينيين وحريتهم ومستقبلهم. هذا الجهد  يتطلب من الفلسطينيين المبادرة والعمل والمشاركة الإيجابية وليس المقاطعة والابتعاد. إن الإصرار على التفرد ومجرد الرفض قد يترك الفلسطينيين في النهاية.. لوحدهم.