كتب ومقالات

مقالات متنوعة

على الفلسطينيين أن يتفاوضوا مع بعضهم

2019-09-17 00:56:49

على الفلسطينيين التفاوض مع أنفسهم

منذ أن ما يعرف اليوم بالقضية الفلسطينية منذ قرن من الزمن تقريباَ، لم يمر على الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلالات والجرائم والاستيطان والمجازر والتهجير، زمن أسوأ وأخطر وأكثر يأسا واقل انجاز من العقد الأخير من عمر شعبنا. عندما سلمنا الأتراك العثمانيين للاحتلال البريطاني في منتصف العقد الأول للقرن العشرين، وابتدأ سلب أرضنا وزرع المستوطنات الصهيونية، صمد شعبنا وكتب سجلّاَ مشرفاَ في كتاب التاريخ. كنّا يومها شعباَ ونضالاَ واحداَ وهدف واحد. وعندما سلّمنا الإنكليز لمؤامرات الصهيونية والأمريكية البريطانية، سقينا أرض بلادنا بدم غالياَ طاهراَ، كنّا يومها أيضاَ شعباَ واحداَ ونضالاَ واحداَ وهدف واحد. كذلك خلال سنوات النزوح والنضال التي أخذتنا لعهد منظمة التحرير ممثلاَ وحيدا للشعب الفلسطيني. ثم أرغم نضالنا وتضحياتنا شعوب وحكومات العالم كافة للاعتراف بنا وانطلقنا في ثورات وانتفاضات الشعب الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، وكنا لا نزال شعب واحد ونضال واحد وهدف واحد. وبالرغم من كل الأخطاء والخطايا أجبرنا العالم على احترامنا والاعتراف بحقوقنا والتغرم بتضحياتنا.

ولكننا اليوم لسنا وطناً واحداً، ولا شعب واحد، ولا نضال واحد ولا هدف واحد. ولا أحد يحسب لنا حساباَ ولا يرينا احتراماَ، نحن اليوم أعداء بعضنا، وحلفاء أعدائنا، وكلنا والغ في دم شعبنا وكرامة شعبنا وحريته. فماذا ينفعنا رضاء أمريكا أو تسهيلات إسرائيل أو أموال المتعاطفين؟ ينظر شعبنا اليوم حوله لشعوب عربية تثبّت نظمها السياسية وميادئ احترام الوطن والمواطن وضمان تداول السلطة وسريان القانون. أشهر معدودات من لقاءات ومحادثات تم الاتفاق بعدها أو على طريق الاتفاق على ترسيخ خطوات الانتقال من حال إلى حال. ونحن نحرث من ثلاثة عشر عاماً للتوصل إلى صيغة طريق تعيد الوحدة لشعبنا ووطنا. ما الذي يملكه القادة السياسيين في تونس والسودان والجزائر ولا يملكه قاداتنا؟

نجحت القيادات والأحزاب السياسية والنقابات والقوات المسلحة في تلك البلدان العربية باتباع الخطوات الأهم لإعادة الحكم إلى الشعب، وليس للمصالحة والتقاسم، وهي الإتفاق على برنامج سياسي مشترك، ثم اختيار شخصية وطنية مستقلة لاستلام الحكم لمدة قصيرة يتم خلالها الترتيب لانتخابات تشريعية ورئاسية ومن ثم تشكيل حكومة وفق نتائج الإنتخابات تحكم البلاد. أليس ذلك ما فعله الفلسطينيون بعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات؟ التفسير الوحيد لفشل قياداتنا الحالية واضح لا يحتاج للتفسير، وهو أن تلك القيادات الحالية لا تريد أن تتنازل عن سلطة اكتسبوها بالسلاح أوالإرث. 

تخسر القيادات الفلسطينيون بطرفيهما الرابطين على حكم شعبنا نصف قوتهم وحججهم ومنطقهم في أية مفاوضات عندما يفاوضون باسم جزء من الشعب الفلسطيني وقطعة من أرضهم ولا يمثّل أحدهم كل فلسطين أو كافة شعبها. وتخسر القيادات الفلسطينيون بطرفيهما أيضاَ في جنوب ما تبقى لنا من وطن وشماله، باقي ما تبقى له من قوة وحجج من حيث أن مفاوضيهم يدركون أن تلك القيادات الفلسطينية قد انتزعت الحكم انتزاعاَ وأن الشعب الفلسطيني لم ينتخب أو يختار أيّاَ منهم اللهم إلاّ  توافقهم جميعاَ على منصب الرئيس الفلسطيني.

تسعد إسرائيل بالتفاوض مع وفدين فلسطينيين، أحدهما بشكل مباشر والثاني من وراء حجاب،     يمثلان شعب واحد منقسم، ووفق أجندات ومواضيع مختلفة لكل منهما مغلّفة بتكرار مطالب شعارية مثل الإنتهاكات  للمسجد الأقصى والقدس والإستيلاء على الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات. ولكن المفاوضات الحقيقية التي يمارسها الطرف الفلسطيني بشقيه الجنوبي والشمالي مع إسرائيل تتطرق إلى مواضيع أخرى متنوعة أكثر أهمية، مثل إدخال البترول والكهرباء، وإعادة الأموال التي تصادرها إسرائيل، وحسم ديون الكهرباء الإسرائيلية للضفة الغربية، إدخال أموال التبرعات، وفتح المعابر وتوسيع مساحة الصيد البحري. ووقف هجمات البالونات الحارقة. هل يناقش الطرفين الفلسطينين مع الجانب الإسرائيلي شروط إعادة اللحمه للشعب والأرض الفلسطينية؟ أو استكمال قرارات اتفاق السلام الذي وقّعته إسرائيل مع السلطة الوطنية الفلسطينية؟، أو كيفية الإعداد لانتخابات فلسطينية تشريعية ورئاسية؟ أو تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المدينة للإنتهاكات الإسرائيلية؟ ليس بالطبع لأن الإتفاق على إثارة هذه المواضيع هو قرار فلسطيني داخلي ولا علاقة لإسرائيل به ولا يبدو أن الفلسطينيين بقيادتيهما مهتمين بإثارة هذه المواضيع، بل وليس هناك قناعة وطنية أو إقليمية أو دولية بأن للفلسطينيين خطة أو برناجاَ أو مبادرة للحديث عن المواضيع الأساس، فلماذا يستمر السباق الثنائي الفلسطيني للتهدئة أو التفاوض مع إسرائيل؟. الحقيقة المؤلمة هي ليست أن الفصائل الفلسطينية لا تستطيع التوصل لاتفاق وإنما هي أن هذه الفصائل لا تريد التوصل لاتفاق.