كتب ومقالات

مقالات متنوعة

أقصر حرب في القرن المالي قد تكون هي الأطول

2019-10-21 00:10:05

 

أقصر حرب في القرن الحالي

قد تكون هي الأطول

مروان كنفاني 

صحيفة العرب اللندنية

21/10/2019

تبدو نتائج حرب الثلاثة أيام أكثر تعقيداَ مما كانت عليه في أشهر التهديدات المتبادلة بين الأطراف خلال الأشهر الماضية. فالولايات المتحدة قررت عدم المشاركة في ترتيبات المراقبة في المناطق الآمنة. بينما يصّر الرئيس التركي على عزمه لزيادة مساحة الأراضي الآمنة ونقاط المراقبة في شمال شرق سوريا، ويهدد سوريا من القيام بأي خطأ تجاه التواجد التركي في أراضيها، ويعلن عن قيام الأكراد بإطلاق الأسرى من "داعش" للعودة في نشاطهم في الدول الأوروبية. من جانبه كرر الرئيس السوري تهديده بأن سوريا سوف تواجه العدوان التركي على أراضيها في كل وقت وبأي وسيلة. وعلى الصعيد الدولي فإن مسؤلين في الإدارة الأمريكية يتحدثون عن خطأ الرئيس ترامب في "بيع" الأكراد، بينما يقف العديد من أعضاء الكونغرس، جمهوريين وديمقراطيين، في صف المعارضة لسياسة الرئيس الأمريكي الإنهزامية تجاه المشكلة التركية الكردية، بينما يعلن الرئيس التركي عزمه على "تعديل" العلاقة مع الرئيس ترامب. ويتحدث الرئيس الفرنسي ويتجوّل بين الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا وألمانيا، للتحرك تجاه الوضع في شمال شرق سوريا وأهمية التواجد العسكريالأوروبي هناك لحماية الأكراد والاستعانة بقوات الحلف الأطلسي لحماية الوجود الأوروبي ولعب دور فيما يجري هناك. وإيران صامتة تنظر وتنتظر وتوازن بين ما سوف تحققه تركيا، عدوها التاريخي، ضد القوة الكردية الجديدة المتصاعدة، وتأثير ذلك على أحلام أكراد إيران.

تتطور كل ساعة زمنية مواقف وتصريحات جديدة تزيد من خطورة المواقف للأطراف الختلفة، وتتنصل بعضها من أنها قد وافقت أو أن الخصم يخرق الإتفاقات. أعلنت منظمة القوات العسكرية الديمقراطية الكردية في اليوم الثاني لسيران الإتفاق أنها لن تلتزم ببنود الإتفاق نظراَ لأن الجيش التركي والمنظمات المنضمة له لا تلتزم ببنود الإتفاق الأخير. 

هل فقدت روسيا تأثيرها ودورها حول الخلاف التركي السوري الكردي لصالح التزامها الأقوى وتحالفها مع سوريا؟

ولم يتم بعد الإنسحاب الكردي من المناطق الحدودية السورية التركية.

  منذ قرون عديدة تجاورت القبائل التركمانية، التي انحدر منها الأتراك والأكراد، القادمة من وسط آسيا مع السكان الأصليين في كل من إيران والعرب في العراق وسوريا، ازدحمت تلك المنطقة الجبلية بعد عهود مرت بأربع دول متجاورة هي إيران وتركيا وسوريا والعراق. يتواجد في نقاط تلاقي هذه الدول أقلية كردية لعبت دوراَ كبيراَ في تاريخ تلك المنطقة ودولها. خاض الأكراد، في خلال نصف القرن الماضي أربع حروب منفردة مع كل من الدول المحيطة بهم. سوريا والعراق وإيران وتركيا،نالوا منها اعتراف العراق وربما سوريا بالحكم الذاتي، بينما أخمدت إيران وتركيا تطلعات الأكراد التي تمثلت في كفاح مسلّح دامي. كانت سمة التزاحم والاقتتال بين الأطراف المتعددة في تلك المنطقة من العالم، ولا تزال بما فيها الأتراك والأكراد، استعمال القتل وإحراق المنازل والقرى والطرد والعنف ضد الأقليات الأخرى.

من الواضح أن موقف وسياسة الرئيس التركي أردغان تجاه الأكراد ورغبتهم في الاستقلال أو الحكم الذاتي، تصطدم بقوة مع الموقف الدولي، وخاصة الدول الأوروبية، الذي يؤيد ويتعاطف مع  منح الأقلية الكردية في تركيا نوعاَ من الحكم الذاتي على غرار ما تم في العراق المجاور. التعنّت  التركي من قبل مختلف القيادات المدنية والعسكرية التي تعاقبت على حكم تركيا بعد سقوط السلطنة العثمانية، والتطرف الكردي المتمسك بالاستقلال الفوري من خلال المواجهة المسلحة، سفكت دماء وحرقت قرى وكًتب تاريخ من الكره والشك والضغينة. يرى الكثير من السياسيين الأوروبيين والمعلقين السياسيين أن السيناريو الكردي أثبت أنه غير قابل للتحقيق، وكما فشلت الأقلية الكردية المتطرفة من تحقيق أهدافها بالاستقلال الناجز فإن إصرار القيادة التركية على فرض الأمر الواقع قد يفشل أيضاَ في تحقيق حل للازمة الكردية.

سوف يجذب الوضع التركي الكردي دول مجاورة وغير مجاورة للتدخل السياسي والعسكري في هذا النزاع الدامي، ويدفع دول المنطقة للاستقواء بالقوى الأعظم لحماية وجودها وأرضها. تكمن اليوم في جنوب الحدود التركية السورية قوى أجنبية متعددة وقواعد عسكرية ومطارات وترتيبات تهدف لوجود قوة عسكرية أوروبية. وتم سيطرة الجيش التركي بمموافقة القوتين الأعظم على شريحة كبيرة من الأرض السورية على طول الحدود التركية السورية، وتعزز روسيا وجودها العسكري في سوريا وعلى شواطئها لحماية سوريا من أطماع خارجية أو قلاقل داخلية، وكذلك تفعل الولايات المتحدة. ويتماوج الجوء الشرقي من الحدود السورية العراقية بموجات متتالية من النفوذ الإيراني، وتتجوّل الطائرات الإسرائيلية كما تريد وتقصف وتدمّر كما ترى في جميع أجزاء الجمهورية السورية.

لقد أيقن العالم، ويبقى أن تعترف تركيا والأكراد، أنه لا حل للمشكلة بينهما سوى الحل التوافقي السلمي التفاوضي. إن الترتيبات التي توصّل لها الرئيس ترامب والرئيس التركي لن تحمي تركيا كما أنها لن تقدم حلاَ أفضل للأكراد، ولن تساعد في حل الأزمة السورية الداخلية بل يزيد من تعقيداتها. لقد قاوم الأكراد الوضع القائم لعشرات من السنين فما الذي يدعو إلى الإطمئنان من أنهم سيلقوا أسلحتهم اليوم دون أن ينالوا أي مكسب؟

فقط الرئيس ترامب والرئيس التركي أردوغان هما اللذان أعلنا الإنتصار، هذا الانتصار المخادع الذي فتح باب الرفض والنقد من معظم المؤسسات السياسية الأمريكية، وغالبية الدول الأوروبية، والصمت المراوغ من روسيا، ولم تصرح دولة واحدة في العالم عن ارتياحها للترتيبات التي تمت. يندفع الجيش السوري اليوم لإعادة الوجود في شمال سوريا بموافقة تركيا التي دعمت خلال سنوات المنظمات السورية المعارضة لحكم الرئيس الأسد. وترفض الولايات المتحدة أن يكون لها دور في مراقبة تنفيذ بنود الاتفاق، وتنوي سحب بعض قواتها من سوريا، وسيبقى واجب مراقبة المناطق الآمنة متروك للدولتين المتنازعتين، تركيا وسوريا، مع اختلاف وتعارض أهدافهما.