كتب ومقالات

مقالات متنوعة

انتصار الطائفية في لبنان أو انتهائها

2019-12-08 02:38:16

 

 

الحراك اللبناني الحالي.. انتصار الطائفية السياسية

أو بداية النهاية لها

مما لا يمكن تجاهله في تطور الأحداث في لبنان هو واقع تزايد تعفّد التوصل لحل مقبول بمرور الزمن وتوالي الأيام. لقد جذب الحراك اللبناني اهتمام العالم، حيث كان لبنان بعيد عن توقع مثل ذلك الحراك الذي انساب بقوة وأناقة على أراضي ذلك البلد الجميل. اليوم تتوالى الاحتجاجات، أفواج من شباب وشابات ومتوسطي عمر، طلبة وطالبات، شيوخ ونساء، في الجبل والسهل، من مختلف الطوائف والألوان، ينشدون العدل ويطلبون المساواة في الوطن والمواطنة. وأفواج أخرى لبنانية أيضاَ، ندين وتقاطع أنشطة وأهداف ذلك الحراك وتتمسك بالنظام السياسي اللبناني القائم  الذي منح لبنان سنوات طويلة من السلام المجتمعي والاستقرار السياسي.   

 ركّزت أنشطة بداية الحراك وتجمعاته على مضمونات ننعلق بالتوظيف والضرائب والكهرباء وارتفاع الأسعار والفساد، ولكن أهداف التظاهرات بمرور الأيام تحوّلت لأهداف سياسية جريئة تتعلق بالنظام السياسي اللبناني بكامله عبّرت عنه التظاهرات الغاضبة والرافضة للعودة للنظام القديم. لم يمض وقت طويل قبل ظهور "حراك معارض" مؤيدة للرئيس اللبناني وبعض الأحزاب المشاركة في الحكم. كانت تلك المظاهرات المؤيدة، على مثال الحراك الرافض، عارمة بالمشاركين المتحمسين. وقد تكون تلك المظاهرات المؤيدة هي التي وضعت حداَ لأحلام التغيير والتجديد والتفاؤل التي سادت بعض شوارع وساحات مدن وقرى لبنان قرابة ثلاثة أسابيع من الزمن.

بالرغم من نجاح الحراك المعارض في التحشيد والتظاهر والتماسك إلاّ أنه  فشل في تشكيل قيادة له، قيادة تقود الجماهير التي زحمت طرقات لبنان وتنظم خطواتها التالية وتضع مخطط نظام سياسي جديد للبلاد. قيادة تتفق وتحدد المطالب التي يعمل الحراك على التوصل إليها لإعادة الثقة  للجماهير اللبنانية في عدالة النظام السياسي اللبناني في تشكيل الحكومات وتحديد أهدافه السياسية والاقتصادية في ظل التطورات والتحالفات التي تعصف بدول الشرق الأوسط. من الملاحظ أن مطالب أصحاب الحراك الحالية متعددة ومتضاربة ومتناقضة، وتبدو أنها قد تعكس تدريجيّاَ تنازلات عن بعض مطالبها السياسية التي كانت واضحة، وركّزت على مطالب اقتصادية ومالية ومحاربة الفساد واسترجاع المنهوبات. كما أن بعض أنشطتها قد تبنّت المطالبة بتسريع تشكيل الوزارة الجديدة بديلاَ لمطالبها في بداية الحراك بإسقاط الحكومة . ولم يبرز خلال تواصل أنشطة الحراك أي شخص أو مجموعة أشخاص، كما حصل في بلدان عديدة، تدّعي قيادة أو تنسيق هذا الحراك.

يرى بعض الخبراء في الوضع اللبناني ان الحراك الأخير قد خسر عمليا بسبب الفشل في تصعيد نفسه ليصبح قيادة فاعلة وموحّدة، وقد يكون ذلك بسبب ترسخ القيادة السياسية للطوائف وتاريخها وتعوّد اللبنانين عليها لفترة طويلة من الزمن. ويبدو أن النظام السياسي اللبناني الحالي، الذي كان هدف الحراك الأخير التخلص من سيطرتهم، هم الذين يرسمون اليوم النظام السياسي اللبناني القادم.

من ناحية أخرى فقد فشل أيضاَ قادة النظام السياسي اللبناني الحالي في تقديم صيغة إصلاحية ومقبولة لتطوير النظام  السياسي اللبناني القائم على تقاسم السلطات بين الطوائف اللبنانية. وبدت محاولاته تهدف لتعديل مبدأ التقاسم الطائفي وليس إلغائه، كما بدت معالم الخلاف بين الأطراف التي تشكّلت منها الحكومة الماضية تبلورة في تصريحات وتبادل اتهامات جارحة، ولم تنجح تأكيدات الرئيس اللبناني لوحده من طمئنة الجماهير الغاضبة بجدية النظام بتجديد وتحسين أدائه عن طريق تشكيل حكومة جديدة. يبدو من الواضح أن التأجيل المتتالي لتشكيل الوزارة الجديدة الواعدة يعود الى التخوّف من فشل الطلقة الأخيرة في جعبة النظام للخروج من الأزمة الخانقة، أو ربما أن يقوم الزمن بامتصاص حماس المحتجّين كما حصل لمحنجّي الستر الصفراء في فرنسا.     

فيما عدا بعض الأفكار المتبادلة بين الرئاسة اللبنانية والأحزاب السياسية اللبنانية، والتفاهم الغامض على تشكيل حكومة جديدة من الكفاءات والخبراء حيث تكون الوزارة مؤهلة لتحمل مسؤلية الإصلاح المالي والاقتصادي ومحاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة وإعادتها لصناديق الدولة المالية. عبّرت الأحزاب اللبنانية عن عزمها على دعم الإصلاحات والمشاريع التي ستتبناها الوزارات المعنية لتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد. وتعهد الرئيس اللبناني على دعم جهود الوزارة الجديدة محليّاَ ودوليّا لانجاز المهمة التي اوكلت اليها.

قد يكون هذا الحل، فيما لو نال موافقة جميع الأطراف،  فاتحة لعمل نيابي لبناني جديد وواعد. وكما صرّح الرئيس اللبناني عون فإن الحل قائم على ركيزتين أساسيتين، تنفيذ الورقة الاقتصادية التي اقترحها رئيس الوزراء وافقت عليه الحكومة وغالبية اعضاء البرلمان، وأن يبدأ البرلمان في دراسة قوانين إصلاحية لدعم الاقتصاد ومحاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة. إن ما يدعو للتفاؤل في ان هذه الرزمة المدعومة من مراكز السلطة والتشريع هو ديناميكية الاقتصاد اللبناني ومهارة رجال الأعمال اللبنانيين وتجمعاتهم في مختلف بقاع العالم، واستعداد الدول الأجنبية والبنوك الدولية والخليج العربي في المساعدة والدعم.

يقف اليوم كلا الطرفين في لبنان أسرى لعدم المبادرة في طرح أفكار جديدة تحقق أرضية مشتركة تستوعب بعض مطالب ومصالح كليهما، وتتصاعد الأحداث نحو الصدام. هل وصلت محاولات الاتفاق في لبنان إلى طريق مسدود؟ وهل كانت أحداث ليلة الأحد الماضي في بيروت وصور هي معالم المشهد القادم في لبنان؟.  يشكل مرور الزمن، وعدم التوصل لحل مقبول يمكن البناء عليه، العدوين المشتركين للشعب اللبناني. إن المساس بالتوازن الدقيق الذي يستند عليه النظام السياسي اللبناني قد يقود، كما حدث في عام 1974 إلى صدام داخلي لا يريده أو يعمل لإذكائه أحد. إذا كان الحراك في لبنان يهدف لإلغاء نظام التقاسم الطائفي بالقوة فذلك سيقود إلى صدام أهلي. وإذا كان هدف الحراك هو فقط تغيير قادة التقويم الطائفي فهذا أيضاَ سيقود إلى صدام أهلي، وإذا كان قادة التقاسم الطائفي سيتمسكون بالقرار والتنفيذ والحكم المباشر وغير المباشر فهذا أيضاَ سيقود لصدام أهلي. فقط التفاهم والتفاوض والاتفاق هو الطريق إلى لبنان آمن مستقر.

مروان كنفاني

3/12/2019