كتب ومقالات

مقالات متنوعة

الانتخابات الفلسطينية..الفرصة الحامسة

2019-12-08 03:10:37

الإنتخابات الفلسطينية

الفرصة الحاسمة

فيما لو تمت الإنتخابات الفلسطينية خلال المستفبل المنظور فسوف تكون هي الإنتخابات الفلسطينية الثالثة في فترة خمسة عشر عاماَ تقريباَ، الأمر الذي لم تحظ به دول عديدة في منطقة الشرق الأوسط أو ربما في العالم بأسره.

كانت الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية التي تمت في مطلع العام 1996 نتيجة، أو ربما شرطاَ، لاتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي الذي تم توقيعه في عام 1993 وتم البدء في تنفيذه في منتصف عام 1994. وافق الجانب الفلسطيني على تنفيذ انتخابات رئاسية وتشريعة فقط لمرة واحدة خلال الفترة الانتقالية التي يتم بانتهائها استكمال تطبيق بنود الاتفاق كاملة، الأمر الذي لم يتم حتى وقتنا الحاضر.

في الإنتخابات الفلسطينية الرئاسية والتشريعية رفضت حركة حماس، بعد تردد قصير، المشاركة في الإنتخابات رغم أن الرئيس عرفات عرض استعداده بخوض الانتخابات وفق قائمة مشتركة ووفق نسب يتم الاتفاق عليها. شنّت حماس هجوماَ قاسياَ على الانتخابات، التي فازت بها حركة فتح، رغم أنها دعمت سرّاَ بعض مرشحين وفق ميولهم الدينية أو السياسية المعارضة لاتفاق السلام مع إسرائيل. استمر المجلس التشريعي المنتخب لمدة عشر أعوام بسبب رفض الرئيس الراحل إجراء انتخابات جديدة بينما لا زال استكمال شروط اتفاق السلام وأطلق الرئيس الفلسطيني شعل "لا انتخابات في ظل الاحتلال".

تغيّر هذا الموقف الفلسطيني في عام 2005 نتيجة لعدة أسباب أولها غياب الرئيس عرفات عن مسرح الحياة، وثانيها الضغط الدولي الذي تماهى معه معظم الدول عربية نظراَ للتدهور الخطير الذي رافق الانتفاضة الفلسطينية في نهاية القرن العشرين. وثالثها ازدياد قوة حركة حماس الداخلية والعربية والإسلامية وتصاعد الخلاف والانقسام في حركة فتح الرائدة. جاءت نتائج الانتخابات الفلسطينية الثانية في مطلع عام 2006 مؤيدة تماماَ لرؤية حماس في أن الوقت قد حان لتسلمها قيادة الشعب الفلسطيني ولكن النتيجة الحقيقية قد أسفرت عن عهد فلسطيني جديد هو الانقسام، حيث أصبح هناك كيانين فلسطينين وحكومتين وبرنامجين سياسيين مختلفين ومتضاربين. في هذا المناخ يجري الحديث اليوم عن انتخابات فلسطينية رئاسية وتشريعية ثالثة.

يأمل الفلسطينيون أن تحقق الانتخابات القادمة ما يصبون اليه من وحدة ومواقف سياسية ومجتمعية واقتصادية مشتركة. وبينما يبدو الموقف الرسمي لحركتي فتح وحماس واعداَ لتطورات بهذا الاتجاه فإن التخوف وارد في التفاصيل لا زال. الشعب الفلسطيني لا يزال يكن احتراماَ وثقة برئيس وأعضاء لجنة الانتخابات المستقلة وهذا عامل إيجابي في معركة الانتخابات القادمة، ولكن استمرار الطرفين الأساسيين في التراشق بالاتهامات والنوايا يضعف قناعة الشعب الفلسطيني في جدّية ما يجري.

لا خلاف على أهمية الإنتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية القادمة وضرورتها لضمان التمثيل الحقيقي والشرعي للشعب الفلسطيني، والتعوّد على مبدأ تداول السلطة. ولكن تجارب الشعب الفلسطيني وظروف حياته قد تقف عائقاَ في طريق انتخابات نظيفة وعادلة. هناك شكوك حول اهتمام المواطنين في المشاركة الانتخابية نتيجة لعدم القناعة باستقلاليتها ونزاهتها أو تأثيرها بتحسين حياتهم وحماية حريتهم. يدعم هذا الموقف الجماهيري السلبي سيطرة الحكم، الذي لا يملك شرعية الحكم في غزة والضفة الغربية سواء، وبطشها وممارستها للإعتقالات والسجن والتعذيب. إن اليد الثقيلة للحكم قد تركت تخوفاَ لدى المواطنين من المشاركة الحق في أمور بلادهم واختيار قيادتهم. هناك وسائل متنوعة متاحة للأحزاب والحركات المسيطرة على ضمان الأصوات بالترغيب أو التهديد أو الطرد من العمل أو استحلاف الناس في المساجد أو الضغط على كبار العائلات والمخاتير وأي وسيلة ممكنة.             

إن ضمان نجاح الانتخابات القادمة يعتمد أيضاَ على إدراك كافة الأحزاب والمنظمات الفلسطينية للشروط التي سيتم قبولها والاعتراف والإلتزام بها في مرحلة ما بعد الإنتخابات والتي قد تفشّل وتمنع من التوصل لإنتخابات ناجحة تحقق رضا الفلسطينيين وقبول إسرائيل ودعم دول العالم، وأول تلك الأولويات هي العمل على عدم ازدواجية البرنامج السياسي للفلسطينيين، لن يقبل العالم برنامجين مختلفين ومتضاربين بين برنامج العمل السياسي المقبول دوليّاَ والمؤيد بقرارات الأمم المتحدة، وبرنامج التسلح والصدام الذي لم يحم شعبنا ولا أرهب إسرائيل بل أعطاها التبرير للمزيد من الإستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات وتهويد القدس وقتل الفلسطينيين. كذلك الإنتماء لتحالفات إقليمية مع دول وتعاون مع دول أخرى. إن حق الدفاع عن النفس والأرض الفلسطينية هو حق لا يمكن تجاوزه ولا إهماله ولا التنازل عنه. كان من اسباب فشل الانتخابات الفلسطينية السابقة هو تضارب واختلاف البرامج السياسية لحركة فتح وحركة حماس ويجب أن لا نقع مرة أخرى في هذا الخطأ. البرنامج السياسي لكافة الأحزاب الفلسطينية هو نفسه الذي قبلته، بشكل أو آخر، كافة المنظمات والأحزاب الفلسطينية بما فيها حركة حماس، وهو يتمثل بتحقيق الدولة الفلسطينية في أراضي 1967 وعاصمتها القدس، وإزالة المستوطنات الإسرائيلية من أرضنا، وايجاد حل لعودة اللاجئين بينما يبقى تحقيق البرامج المجتمعية والإقتصادية وحماية الحريات وحقوق المواطن هو الذي يخنلف بين تنظيم وآخر. إن العودة لازدواجية البرنامج السياسي الفلسطيني سوف يعيدنا في أحسن الحالات للوضع الحالي الذي عانينا منه خلال السنوات الخمسة عشر الأخيرة.

واللازمة الأساسية الأخرى التي تفرض نفسها لتحقيق الهدف من الانتخابات الفلسطينية القادمة هي دور حركة حماس فيما لو فازت في الانتخابات أو اكتسبت نسبة مؤثرة من أعضاء المجلس التشريعي القادم، هل وكيف سيتم دورها البرلماني أو الحكومي في الضفة الغربية؟. يختلف الوضع في عمل ومشاركة ومن ثم سيطرة حركة حماس في قطاع غزة عن ذلك في الضفة الغربية حيث لن يكون التنافس بينها وبين حركة فتح فحسب بل وفيما يتعلق بالتعامل معِ التواجد الإحتلالي الإسرائلي اللصيق والتماس الأردني القريب. إن التواجد والنشاط السياسي لحركة حماس في الضفة الغربية قد يتطلب تنازلات تتعدى ما قدمته السلطة الوطنية الفلسطينية للتواجد في قطاع غزة وفي جزء من أراضي الضفة الغربية.

الحقيقة الجديدة التي سيفرضها نجاح الانتخابات الفلسطينية القادمة، فيما لو تم لها تجاوز العقبات الذاتية والخارجيه، هي التأكيد على تفرّد السلطة الوطنية الفلسطينية في المسؤولية السياسية والمجتمعية والتمثيلية للشعب الفلسطيني المقيم على ما تبقى من الأرض الفلسطينية وأن منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني قد أصبحتا مجرد هياكل وأسماء لا دور لها ولا تواجد أو تأثير في الساحة السياسية الفلسطينية. هل حان الوقت لإنشاء مؤسسة فلسطينية فاعلة ومدعومة من السلطة الوطنية الفلسطينية لتمثّيل الفلسطينيين في المهاجر؟ 

 مروان كنفاني

صحيفة العرب اللندنية

7/12/2019