كتب ومقالات

مقالات متنوعة

التطبيـــع

2020-03-01 00:25:14

صحيفة العرب اللندنية 23/2/2020

التطبيـــع الفلسطيني الفلسطيني

سابق للتطبيع الفلسطيني الإسرائيليِ

 

ثارت بعض التجمعات والتظاهرات الغاضبة في الأراضي الفلسطينية احتجاجا على اجتماعات تمت بين صحفيين إسرائيليين مع عدد من الأساتذة والمفكرين الفلسطينيين، وكذلك مساهمة شخصية رسمية في احد تلك الاجتماعات. وهناك تاريخ فلسطيني طويل مضمّخ بمثل نلك الاحتجاجات التي تمسّ وترا حساسا في ضمير الشعب الفلسطيني منذ الصدمة الهائلة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني نتيجة لنجاح إسرائيل من إقامة وطن لها وسط المحيط العربي في عام النكبة 1948. كان ذلك الرد الفلسطيني العاطفي في رفض تلك الدولة وعدم الاعتراف بها أو بوجودها أو التعامل معها يعكس فشل الفلسطينين والعرب في منع إقامة دولة إسرائيلية وكذلك التقاعس في إقامة دولة فلسطينية. في غياب "فلسطين" بكل أبعادها السكانية والمجتمعية والجغرافية والتاريخية. أصيب الفلسطينيون والعرب بما يسمّى في علم النفس بالرفض الكلّي المسيطر لكل ما تمثله إسرائيل بما في ذلك تداول وجودها واسمها، وأضيف لتسميتها منذ ذلك الوقت لقب "المزعومة".

كان قد مرّ قرابة ربع قرن من الزمن عندما توقفت القيادة الفلسطينية عن سياسة الرفض الكلي التي كانت قد دعمتها سياسة وشعار "لاءات الخرطوم" الشهيرة. وأصدرت موافقتها على لقاءات فلسطينية رسمية مع إسرائيليين غير"صهاينة" وتعرّضت القيادة الفلسطينية آن ذاك لاتهامات ومسيرات غاضبة لموافقتها على بدء التواصل مع إسرائيليين من غير "الصهاينة". وتمت عدة لقاءات في دول أوروبية في نهايات سبعينات القرن الماضي دفع بعض النشطاء الفلسطينيين حياتهم لانغماسهم في ذلك الاتجاه، تطوّرت اجتماعات الفلسطينيين مع الإسرائليين غير الصهاينة في نهايات الثمانينات، بتشجيع أوروبي وأمريكي وبعض عربي إلى لقاءات مفتوحة بين الطرفين المتنازعين، وفي فترة تزايد ذلك التصادم الفلسطيني الفلسطيني حول اللقاءات المفتوحة، الذي أسعرته بعض الدول العربية أيضا، طفت على السطح تعابير سياسية جديدة، وكانت "التطبيع" احداها.

"التطبيع" في الفقه السياسي يعني اتفاق بين دولتين مستقلتين أو عدة دول مستقلة على تخفيف أو إلغاء متبادل لقيود وقوانين سياسية أو سياحية أو إجراءات تجارية ومالية تتعلق بالاستيراد أو تخفيف إجراءات الدخول والخروج للدول المتعاقدة. و"التطبيع" لا يتم بين لقاءات فردية أو جماعية أو حزبية لأنها من اختصاص السلطة التنفيذية للدول المستفلة. في كل القضايا المتنازعة على مدار التاريخ يتحتم أن يتقابل الطرفين المتنازعين وجهاَ لوجه، سواء في ميدان القتال أو دواوين السلام أو الاستسلام. والحرب، كما قال العرب، أولها الكلام. والكلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين جارى سواء أقبل الطرفين أو رفضوا. في كل صباح يتبادل الحديث مئات الآلاف من الفلسطينيين والإسرائيليين في معظم المدن الإسرائيلية والمدن والقرى التي تحتلها إسرائيل وعلى حدود ، وكذلك في أسواق القرى الفلسطينية من خلال عشرات الالآف من الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل، ويتحادث عشرات الآف من قطاع غزة وكذلك الضفة الغربية مع مسؤولين إسرائيلين  لمعالجة أذون السفر والمرور والإقامة والعمل. كما يتحدث الإسرائيليون والفلسطينيين بالنار والرصاص والصواريخ والبالونات على الدوام. لماذا لا يملك الفلسطينيون حق الكلام عن بلادهم وأهدافهم؟

يتقابل ويتحدث مسؤولين فلسطينيين مع نظرائهم الإسرائيليين بشكل معلن ومنشور، كما يتحدث مسؤولين فلسطينيين من قيادة غزة مع نظرائهم من السياسيين والعسكريين والإقتصاديين الإسرائيليين من خلال الوساطة المصرية أو المساهمة القطرية، ولم يتم من تلك الاتصالات تفريط في الثوابت ولا استسلام مهين. إن عدم التواصل والتحادث مع الإسرائيليين يستجوب منطقيا قتالهم، الأمر الذي لا تستطيعه حماس ولا فتح ولا تريده إسرائيل ولا غالبية دول العالم.

إن أهم الجهود المطلوبة للتقدم بقضية الشعب الفلسطيني وتحقيق أهدافه الشرعية هي العمل على إقناع العالم بعدالة قضيتنا، وأهم وأول من نتوجه له لهذا الغرض هم أعداؤنا الإسرائيليين، وأن نجتمع مع إسرائيليين يدعموننا ويدافعوا معنا لتحقيق العدالة والسلام ضرورة لشكرهم على مواقفهم، وأن نجتمع مع إسرائيليين يجهلون نوايانا أو أهدافنا ضرورة أكثر أهمية لتنويرهم، وأن نجتمع مع عتاة الصهاينه والمتطرفين أكثر وأكثر أهمية للتأكيد لهم أننا لن نتوقف أو نتنازل عن حقنا.  الغاية من التواصل الإيجابي في هذا الشأن هو ما نقوله وليس أين نقوله ولا من يقوله أوكيف نقوله. التواصل الإيجابي وغير الرسمي يجب أن يكون بعيدا عن مشاركة اعضاء رسميين حكوميين، وأن تكون المشاركة قصرا على المؤهلين القادرين على التصدي للنقاش وإبداء الحجة، أولئك الذين ليسوا طرفا في الصراع الفصائلي أو الرؤى الفصائلية التي يصعب على الفلسطينيين الاتفاق حولها وتنفيذها. لأن ذلك سوف يجعل الاندماج الأهلي في هذا النشاط غاية في الخطورة نتيجة  لردود الفعل الصاخبة كما تعوّد شعبنا من ممارسات الفصائل الفلسطينية المختلفة.

أول الموانع التي تقف عثرة في طريق أي نشاط أهلي للمشاركة في جهد يهدف لتقارب أو تفاهم أو "تطبيع" مع الجمهور الإسرائيلي هي أن الفلسطينيين لا يملكون قيادة واحدة، ولا سياسة واحدة، ولا تحالفات واحدة، ولا أهداف واحدة، ولا يبدو أن هناك أية إشارات من القيادات الفلسطينية المتنازعة لتصحيح هذا الواقع المؤلم. وثاني موانع الفشل هي أن الأفراد والجماعات المشاركة في الحوار مع الإسرائيليين لا يستطيعون تطبيق التفاهم أو "التطبيع" لو تم التوصل له، لأن ذلك مرتبط بموافقة السلطة التنفيذية الشرعية العليا للقيادة الفلسطينية، ولدى الفلسطينيين اليوم  سلطتين تنفيذيتين، لقيادتين فلسطينيتين، لا تتمتعان بأية شرعية فلسطينية. قد يكون من الأكثر توقّعا في الوضع الحالي أن يتم إنجاز التفاهم أو"التطبيع" بشكل مختلف، شكل مستقل ومنفرد من قبل إسرائيل مع كل من السلطة الوطنية، وحركة حماس.

الخطأ الذي وقع فيه، بحسن نية، أولئك الفلسطينيين الذين شاركوا في ذلك الحوار هو الدخول إلى حلبة الاتصال والنقاش وتبادل الأفكار والحلول في وقت سابق لتوصل القيادات الفلسطينية لبرنامج سياسي مشترك. ذلك أن هذا التوصل هو الخطوة الأولى نحو البدء للتوصل لتفاهمات فلسطينية إسرائيلية لتحقيق السلام بينهما.