كتب ومقالات

مقالات متنوعة

زيارة هنية في ميزان الحسابات الروسية

2020-03-03 23:07:39

  صحيفة العرب اللندنية 4/3/2020

  

زيارة هنية في ميزان الحسابات الروسية

 

0يقوم رئيس حركة حماس السيد هنية برفقة مسؤولين بارزين من الحركة بجولة خارجية تضمنت عدة دول إسلامية وروسيا الفدرالية وسط تفسيرات واشاعات عن خلافات داخلية حمساوية وتحضيرات لإنتخابات الحركة القادمة، وخيرا فعل. ولقد باركت العرب قديما بفائدة السفر وفوائده السبع. لقد حان الوقت لترى قيادة حماس العالم، المؤيد والمعادي من خارج غزة غزة الجميلة والحزينة وكيف ينظر ويحكم العالم عليها. 

يعتقد غالبية المتابعين للتطورات التي تعصف بالقضية الفلسطينية أن مطلب إعادة اللحمة إلى الجسد السياسي للشعب الفلسطيني والجغرافي لما تبقى من أرض لهذا الشعب لم يعد هدفا لقيادة حركتي فتح وحماس، حيث استبدلت حركة حماس شعار المقاومة، الذي كان يعني المقاومة والتصدي في قطاع غزة وفي الضفة الغربية أيضا، بالعمل الحثيث المتشعب الاتجاهات لإبعاد سيطرة حركة فتح عن قطاع غزة وإرساء إمارة حمساوية في قطاع غزة وربما جزيرة صغيرة تبنى في البحر لتوسيع مساحتها. بينما تنهمك قيادات حركة فتح في الإجتهاد  لمنع أي طموحات قد تدور في أذهان قادة حماس للتسلل للضفة الغربية بالقوة أو بالانتخابات، وتبدو منهكمة في ترتيب الأمور وتحشيد القوى والبحث عن التحالفات لضمان تفرّد قيادة الحركة، حركة فتح، لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية. ما تعذّر فيه الجميع هو إعادة اللحمة الوطنية والجغرافية والسياسية للشعب الفلسطيني، والعائق الوحيد لتحقيق هذه الأمنية هم القيادات الفلسطينية أنفسهم، والكاسب الأول هي إسرائيل، والخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

سوف تتعامل الدبلوماسية الروسية بحرص شديد مع الرغبة التي أبدتها حركة حماس بالاقتراب المستقل من إحدى الدولتين الأعظم في العالم. وإن كان من المعروف أن حركة حماس قد أبدت، من خلال وسطاء، رغبتها منذ سنوات عديدة بالتقارب المباشر فإن المجهول هو السبب الذي دفع روسيا بالاستجابة للرغبة الحمساوية في الوقت الحاضر. يتفرّع الطلب الحمساوي بالنسبة لروسيا إلى ثلاثة أفرع هامة في سياساتها الخارجية أولها علاقات روسيا مع الفلسطينيين خاصة والعرب بشكل عام، وثانيها هو العلاقات الروسية الأمريكية، وثالثها هو العلاقات الروسية الإسرائيلية. هل سيعتبر الرئيس عباس أن زيارة غريمه الحمساوي لموسكوخطوة روسية عدائية للنظام الفلسطيني الذي مثّل الفلسطينيين خلال الخمسين عاما الماضية؟ وهل ستتحسس الولايات المتحدة من هذا التقارب الجديد بين روسيا وبين "منظمة" تعتبرها أمريكا منظمة إرهابية؟ وكيف ستتصرف إسرائيل في مواجهة هذا التقارب الجديد؟. 

أول ما يستلفت الانتباه في هذا التطوّر هو جدّية التجاوب الروسي للرغبة الحمساوية والأناة والحذر من المساس بالعلاقة المتميّزة مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية وحركة فتح منذ بداية ظهورهم على ساحة الشرق الأوسط. وقد يكون ما صرّح به وزير الخارجية الروسي المحنّك حول هذا الموضوع وربطه بكامله في إطار المساهمة في إعادة اللحمة للجسد الفلسطيني، الأمر الذي سوف يؤهل الفلسطينيين من تحسين موقفهم في العودة للتفاوض مع الإسرائيليين، مع علم الوزير الروسي المؤكّد بأن حركة حماس ليست معنية أو مهتمة بأي نوع من التفاوض مع إسرائيل، وأن مصر، في حالات الصدام، هي التي تمثّل الوسيط الخبير في العلاقات غير المباشرة الإسرائيلية الحمساوية. وحتى يبدو الموقف الروسي عادلا فيما يتعلق يالطلب الحمساوي فقد استقبلت بصمت عميق وفدا من حركة فتح لإبلاغه بنية روسيا في استقبال وفد من حركة حماس، كما وَجهت روسيا الدعوة أيضا لتنظيم الجهاد، التنظيم الوحيد مع حركة حماس الغير ممثل في منظمة التحرير الفلسطينية وما تفرّع عنها من مؤسسات سياسية فلسطينية. واضح أن الخطوة الأخيرة التي قامت بها روسيا سوف تؤهلها لتجمع "كافة" المنظمات والفصائل الفلسطينية فيما إذا دعت، نظريا، منظمة التحرير الفلسطينية للالتحاق بمؤتمر لتوحيد الفلسطينيين. لم يتطرق وزير الخارجية الروسي خلال الاجتماع لاحتمال مقابلة ممثلي حماس والجهاد للرئيس الروسي، ولم يشر للموقف الإسرائيلي الرافض لكل الاتفاقات أو القرارات الدولية والمواقف الأوروبية. وكرر الموقف الروسي المعلن بالمبادرة الأمريكية.

فيما عدا ما يبدو من أن الخطوة الروسية تهدف فقط لدعم الفلسطينيين وإقناعهم بضرورة الوحدة والاتفاق، فليس هناك ما يثير غضب أو تصرّف من الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل. لأن التدخل السياسي أو العسكري في المشكل الفلسطيني غير وارد في قاموس روسيا في الفترة الحالية ولا يبدو أن ذلك ممكن في المستقبل المنظور. ولكن روسيا انتزهت الفرصة لإعادة التأكيد باستمرارها في دعم القرارات الدولية المؤيدة لحقوق الشعب الفسطيني. كان الموضوع الوحيد الذي أصرّ الوزير الروسي على تكراره وتأكيده هو الوضع الفلسطيني والخلاف الفلسطيني وأهمية إعادة اللحمة للعمل الفلسطيني السياسي والمقاوم الذي يشكّل المطلب الأساسي في الوقت الحالي.

لم يغب عن ذهن الوزير الروسي ما أشار إليه السيد هنية من أن العقبة بين حركتي فتح وحماس للتوصل لاتفاق مشاركة لا يحتاج لاتفاقات ولا اجتماعات جديدة حيث أن القرارات الموقّعة التي توصّل إليها الطرفين كافية في حد ذاتها إذا تم تنفيذها. نفس ما يقوله ويكرره ويطالب به رئيس الوفد الفتحاوي لمحادثات التوحد الجارية منذ أكثر منذ أكثر من عقد من الزمن،  ومع ذلك لم يتم أي تقدم لتنفيذ ما يدّعي كل طرف بالموافقة عليه.  كما يعرف وزير الخارجية الروسي أن العقبة التي تقف عائقاً أمام التوحّد الفلسطيني لا يمكن حلها في موسكو ولا في القاهرة ولكن في فلسطين نفسها وبين الفلسطينيين أنفسهم، كما أن الوزير واثق من إن انضمام روسيا إلى الوساطة المصرية  قد تضعف ونعرقل أي محاولة دولية جادة للتوسط حيث أن الوساطة والتقرير في المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية هي احتكار أمريكي، كما أن التعامل مثلا في المشكلة الأكرانية هي احتكار روسي.  

هل ستعرض روسيا مبادرة للتوصل لموقف فلسطيني موحّد تجاه الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب والأرض والمقدسات الفلسطينية؟ لا شك في ذلك إذا ما اقتنعت روسيا بصدق الطرفين الفلسطينيين للتوصل لبرنامج سياسي مشترك أو الدعوة لانتخابات عامة رئاسية وتشريعية، الأمر الذي لا يراهن عليه أحد.