كتب ومقالات

مقالات متنوعة

الفلسطينيون والعرب

2019-09-08 01:34:45

 

 

 

جريدة العرب اللندنية

28/8/2019

حكاية الفلسطينيون والعرب

يجمع المراقبون على أن ما تبقي من عام 2019 سوف يشهد تطورات خطيرة على الأوضاع في الشرق الأوسط نتيجة لعدة عوامل أهمها الإنتخابات الأمريكية والإسرائيلية والوضع المتصاعد في المواجهة الأمريكية الإيرانية وتطور المواجهات الجماعية في شمال سوريا إضافة لإطلاق الولايات المتحدة المتوقع لمبادرتها من أجل تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذا إذا لم ينزلق الوضع نحو حروب مستعرة قد تغيّر وجه الشرق الأوسط بكامله.  ترفع الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بقيادة الرئيس الحالي ترامب، وإسرائيل، السيف لقطع الوريد وإغلاق الستار عن حلم الدولة الفلسطينية المستقلة، الأمر الذي يضع "القيادات" الفلسطينية في مواجهة هجمة  تحمل في هبوبها مشاكل وحروب وانقسامات وتحالفات لا علاقة لنا بها ولا مصلحة. أين يقف الفلسطينيون اليوم من كل ذلك؟

إن الخطر الأكبر الناتج عن هذه التصرفات الأمريكية لا يتمثّل في إسدال الستار عن "القضية الفلسطينية"، لأن ذلك ليس في مقدور إسرائيل أو الولايات المتحدة ولكنه رهن بتمسك الفلسطينيون وتحالفهم للاستمرار في الكفاح لاستعادة حقوقهم الشرعية. ولكن الخطر الذي قد تتعرض له القضية الفلسطينية حاليّاَ وفي المستقبل المنظور هو تهيئة الأجواء لصدام مدمّر بين "الفلسطينيين" من جهة و"العرب" وليس إسرائيل من جهة أخرى، الأمر الذي تنمو دلائله يوماَ بعد يوم.

يكمن هذا المنعطف الخطير في اختلاف المصالح والأهداف التي تفرض نفسها على أولويات وسياسات وربما تحالفات معظم الدول العربية. والتي قد يعتبرها الفلسطينييون ضارة لأولوياتهم وأهدافهم. سوف تفرض المرحلة القادمة على الجميع، عربا وفلسطينيين، اتخاذ قرارات مؤلمة إذا ما فشلوا في انتزاع دور لهم تجاه الأخطار التي تتعرض لها بلادهم والتي أهمها العودة لفرض الوضع الراهن الذي يعرفه وعانى منه الجميع.

مر التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث بمراحل عديدة تصادمت فيها مصالح القضية الفلسطينية مع حقائق السياسات العربية ومتطلباتها الخارجية وتوازناتها الداخلية. وقد دفع الشعب الفلسطيني وقياداته ثمناَ باهظاَ لها. في عام 1948 ساهمت جيوش ومتطوعون عرب في الحرب ضد القوات الصهيونية ومتطوعين أجانب ولكنها اضطرت لقبول الهدنة ومن ثم الإتفاق على وقف الحرب، الأمر الذي اعتبرته القيادات الفلسطينية آنذاك وعامة الشعب الفلسطيني حتى وقتنا الحاضر، بأنه خيانة للشعب الفلسطيني وحقوقه وأهدافه. في منتصف العقد الخامس من القرن الماضي وفي عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون انحاز الفلسطينيون ذوي الغالبية السنية للجانب اللبناني السني وكسب منذ ذلك التاريخ عداء اللبنانيين المسيحيين وأحزابهم الذين كانوا قد ساهموا بجانب الفلسطينيين في حرب عام 1948. وبعيد عام النكسة عام 1967 ونتيجة للرفض الفلسطيني لاستكمال اسرائيل احتلال الأرض الفلسطينية فرضت المنظمات الفلسطينية سيطرتها على العاصمة الأردنية وابتدأ الكلام عن "فلسطيني" و"أردني" وحتمت المصالح الأردنية والمصرية التوصل  لاتفاقات انسحبت بموجبها إسرائيل من الأراضي المصرية والأردنية، الأمر برفض وإدانة عميقة وصامته ومفهومة في قلوب الفلسطينيين، رافق ذلك اتهام آخر جديد عن مسؤولية الفلسطينيين في إضاعة فرص السلام. وفي العراق اكتسب الفلسطينيون عداء قطاع كبير من الكويتيين والعراقيين معاَ نظراَ لتأييد بعض المنظمات الفلسطينية للرئيس العراقي في ذلك الوقت، وتم طردهم واعتقال العديد منهم كما تم ذلك من قبل دول الخليج العربية إضافة لوقف المساعدات المالية التي كانت تمنحها تلك الدول لمنظمة التحرير الفلسطينية. هل كان على الدول العربية تجنب تحقيق مصالحها في سبيل فلسطين؟ أم كان على الفلسطينيين أن يوافقوا ويهللوا لفقدان أرضهم وحقوقهم؟        

ولقد وقى الله حتى اليوم من سفك الدماء العربية، ولكن كيف يمكن للفلسطينيين التمسك بالحضن العربي دون التخلي عن الولاء الفلسطيني؟ وكيف يمكن العمل والتعامل مع التناقض الوطني والجماعي العربي في غابة التصادم والتحالفات التي تلف دول الشرق الأوسط؟

على الفلسطينيين أن يعترفوا بأن مصالح الدول العربية لها أولوية فيما يتعلق بأمنها القومي والدفاع عن اراضيها والجهد في تحسين حياة مواطنيها وحماية مصادرها الطبيعية ودعم موقفها الاقتصادي. وأن تدعم الدول العربية من جانبها الشعب الفلسطيني في التمسك بارضه وحقوقه الشرعية في المحافل الدولية وفي علاقاتها الثنائية مع دول العالم. وأن تعمل على تحسين الحياة والعمل والتنقل للفلسطينيين، وأن تحثّهم على التوحد والإتفاق على برنامج سياسي مشترك. إن القاسم المشترك الأعظم بين الدول العربية كافة وقيادة السلطة الوطنية الفلسطينية هما إتفاق السلام الفلسطيني الإسرائيلي لعام 1993 والمبادرة العربية لعام 2002 اللذين نالا موافقة الفصيليين الفلسطينيين الأقوى والأقدر في الساحة الفلسطينية. على الدول العربية المعنية ألاّ تضغط أو تفرض على الفلسطينيين موقفاَ لا يريده الفلسطينيون، وأن تحميهم من الإجرام والقتل الإسرائيلي وأن ترفض من حيث المبدأ الإستيطان والهدم والإستيلاء على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، ليس فقط كدعم للطلب الفلسطيني بل لاعتبار ذلك جزء من مطالب وسياسة وأهداف الدول العربية.

يخطئ من يظن أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى، كما يخطئ من يظن أن الأزمة الليبية، على سبيل المثال، هي قضية العرب الأولى. فلا الأولى هي قضية الليبيين الأولى ولا تلك هي قضية الفلسطينيين الأولى، ليس بالإختيار ولكن بالواقع. إن نقطة الضعف الفلسطينية في غابة التشابك الدولية الحالية في منطقة الشرق الأوسط، والتي تتصاعد كل يوم وكل ساعة، ليست من من صنع إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، بل هي من صنع الفلسطينيين أنفسهم، وهي نتيجة لتفرقهم واختلافهم وتحالفاتهم. قبلت القيادات الفلسطينية أن تكون تابعاَ عن أن تكون قائداَ لقضية بلادها، اراحهم التفرج من بعد بدلاَ من الإنغماس في قضيتهم الأولى. كان على الفلسطينيين أن يتواجدو في اجتماع المنامة ليقولوا لا لبيع أرضهم بحفلة من دولارات، وأن يذهبوا الى مؤتمر المبادرة الأمريكية ليقولوا لا بدلاً من أن يقولها مندوب فرنسا أو روسيا. لقد قال الرئيس عباس لا وهو في مكتبه برام الله، وكررها في عواصم أخرى، وأهان  المبادرة الظالمة لشعبنا، ولعن السفير الأمريكي، ودعى أن تذهب المبادرة الأمريكية إلى جهنم، ولم يخف ولا وجل ولا هدده أحد، ولكن كان من الأجدر أن نقولها في المكان الصحيح وجهاَ لوجه لمن وضع وكتب وأعلن تلك المبادرة الظالمة. أسكرنا ادعاؤنا  بأننا أفشلنا مؤتمر المنامة، مع أننا لم نفعل، فقد اجتمع المدعوين وتحدثوا وقرروا، ووضعت تواريخ وأرقام، ووفق تعليق صحفي لمراسل متواجد فلم يسأل أحد عن سبب غياب الفلسطينيين، ولماذا، ولا طلب دعوتهم، ولا توقف عن المشاركة، ووافق على أين ومتى سيتم الاجتماع القادم.

إذا لم يحترم الفسطينيون ويقدروا مواقف ومصالح الدول العربية التي دعمت قضية شعبنا، وساهم مواطنيها في الدفاع عن حقوقنا منذ قرن من الزمن، وسالت دمائهم على أرض فلسطين جنباَ إلى جنب مع دم الشهداء الفلسطينيين. وإذا لم تتفهم الدول العربية الموقف الفلسطيني الذي يحتاج دعمهم وليس كلامهم، فإن أصوات تبادل الإتهامات جاهزة لتعيد التمسك بالتناقضات العربية الفلسطينية، ولسوف تعلو تلك الأصوات، التي بدأت بوادرها،  على أصوات العقل والمنطق والصدق، ولن يستفيد منها سوى قوى الشر التي لا تريد خيراَ للعرب... والفلسطينيين بالذات.