كتب ومقالات

مقالات متنوعة

شهيد القدس وسقوط الانتخابات الفلسطينية

2020-01-09 06:03:01

 

 

مروان كنفاني

جريدة العرب اللندنية

9/1/2020

شهيد القدس

وسقوط  الانتخابات الفلسطينية

يتطلب الواجب الوطني ان نعرّج على أزمة خطيرة في تطوّر أوضاع الشرق الأوسط ودوله وأحزابه وصلحها وحربها وتحالفاتها، وما يصدر عن قادتها وقادة أحزابها من تصريحات تعكس قناعتهم وانتمائهم وتحالفاتهم. ولا ينكر أحد حق الأخ اسماعيل هنية رئيس حركة حماس الفلسطينية في القيام بجولات سياسية يدعم فيها قضية الشعب الفلسطيني ونضاله في سبيل نحقيق أهدافه الشرعية، وكذلك حقّه في اختيار حلفائه وبرامجه السياسية. ولكن أن يختار الزعيم الحمساوي اللقب الذي اختاره وخصصّه الشعب الفلسطيني لقائده الخالد الشهيد ياسر عرفات، من بين كل الألقاب التي كانت كافية لتوفي الغرض الذي أراده،  يوحي بمعاني وإيماءات تجرح مشاعر الأغلبية الساحقة للشعب الفلسطيني. أن يمد القائد الفلسطيني، رئيس حركة حماس البارز، ذراعيه من إيران عبر آلاف الأميال إلى أرض فلسطين  لينبش قبراَ عزيزاَ على الفلسطينيين، راقداَ على أكناف القدس الشريف، وينزع عن ساكنه لقباَ وشّحه به من عقود الشعب الفلسطيني عرفاناَ لجهاده ونضاله واستشهاده. ليس هذا هو العرفان والاحترام الذي حفظه الرئيس الشهيد ياسر عرفات لشهيد حماس وقائدها الشيخ أحمد ياسين الذي ما ذكره إلاّ بلقب الشيخ الجليل الذي وشّحه به ولم يستعمله الاّ له.

يدرك الشعب الفلسطيني والعالم باسره أن شجاعة الشعب الفلسطيني ووحدته وتضحيات شبابه، وليس وفرة السلاح وتنوعه، هي التي مكّنت الشعب الفلسطيني من انقاذ أرضه الجنوبية منذ نكبة فلسطين عام 1948. وحافظت الاجيال الفلسطينية على تلك الأرض قبل أن تكون هناك حركة فتح ولا حركة حماس. وخاض شعبنا معارك شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الإنتفاضة الأولى ومعارك النفق المقدسي والإنتفاضة المجيدة الثانية وأنزل أكبر الخسائر التي تلقتها إسرائيل، قبل أن يكون لديه صواريخ وأسلحة متقدمة. ذلك لأن وحدة الشعب الفلسطيني وتضحياته، وشجاعة شبابه من حركة فتح وحركة حماس والفصائل الفلسطينية برمتها، وليس الصواريخ، هي التي مكّنت من الاحتفاظ على ذلك الجزء الغالي من وطننا ولا اتكال على أحد ولا منّة من أحد.    

يبدو الآن أن تحقيق انتخابات فلسطينية، رئاسية وتشريعية، أصبح من الماضي الذي حلم به الشعب الفلسطيني ولكنه لم يتمكّن من انجازه. ومن السهل إلقاء هذا الفشل على إسرائيل للتخلص من تقصيرنا كما فعلنا دائماَ في تغطية فشلنا. من المفهوم والمعلوم أن إسرائيل لا تريد أي إجراء أو إنجاز يشير أو يدعم وجود فلسطيني على الأرض الفلسطينية، أو يعطي قبول دولي لكيانية فلسطينية ذات استقلالية سياسية في دولة قابلة للحياة، متصلة وذات سيادة، أو تمدد سيطرة حركة حماس للضفة الغربي. ولكن الحقيقة تشير الى أن تلك الانتخابات قد تكون ممكنة فيما لو تم توافق الفلسطينيون أنفسهم على إجرائها واتفقت الفصائل الفلسطينية والأحزاب والحركات على خوضها. إن اتفاق فلسطيني على جدول زمني وبرنامج سياسي مشترك، مع دعم عربي ودولي، كفيل لتجاوز كافة أو معظم العراقيل والشروط التي تضعها إسرائيل أمام ذلك الهدف الفلسطيني.

سوف يقود فشل التوصل لإجراء انتخابات فلسطينية، رئاسية وتشريعية، إلى وضع فلسطيني في غاية الصعوبة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والمعيشية قد يضيح بكافة الانجازات التي تحققت له في العقود الماضية. هل انتهى الحلم الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية؟ هل ستبقى في المستقبل القريب فلسطين واحدة؟ أو هل ستستمر الأوضاع الفلسطينية على ما هي عليه في وقتنا الحاضر؟ أم سوف يتم فصل ما تبقى لنا من أرض فلسطين إلى فلسطين في الجزء الشمالي والشرقي وربما إمارة فلسطينية أو فلسطين الحمساوية في الجزء الجنوبي، على غرار دولة قبرص وقبرص التركية، وكلاهما خاضعان لشروط اتفاق أوسلو؟

هل سيتم اعتراف عربي ودولي بالكيانين الجديدين؟هل ستنقسم دول العالم العربي حول الدولة أو الدولتين الفلسطينيتين؟ وهل سيزداد التقارب العربي الإسرائيلي؟ هل ستسقط المقاومة وتخضع حماس لتنازلات كبيرة للتمتع بدولة حمساوية في قطاع غزة؟ هل سيتم اعتراف متبادل بين فلسطين حركة حماس وفلسطين حركة فتح ويتم تبادل السفراء أو الممثلين بينهما؟ هل سيصدر الطرفين جوازات سفر مختلفة ويتم شق طريق آمن بينهما؟ ومن منهما سيمثل فلسطين في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة؟ ومن منهما سيتسلم الإعانات الدولية المالية والعينية؟

قد تبدو هذه الأسئلة غريبة وبعيدة عن الواقع الآن ولكنها أسئلة ستصدم الفلسطينيين بمرور الزمن واستمرار الإنقسام واختلاف وتعنّت حركتي فتح وحماس وتعارض تحالفاتهم العربية والدولية. ولكن لا زالت هناك فسحة من أمل ووقت للعمل لإنقاذ الشعب الفلسطيني من مصير قاسي ونهاية تمسح وتلغي عقود طويلة من كفاح الشعب الفلسطيني وتضحياته وشهدائه وجرحاه ومعتقليه. تستطيع الحركتين الفلسطينيتين اللتان قادا نضال الشعب الفلسطيني وقدما التضحيات والشهداء من إعادة الأمل في مستقبل واعد، للشعب الفلسطيني وشعوب الأمة العربية التي واكبت نضالنا ودعمته ولكل الشعوب والحكومات في العالم التي تؤيد أهدافنا، بإعادة اللحمة لشعبنا والاتفاق على الأهداف المشتركة والتوصل لبرنامج سياسي مشترك.

يتسائل الفلسطينيون ومعهم شعوب العالم العربي عن السبب الذي يدفع قادة الحركتين الفلسطينيتن الأكبر للتجول في أنحاء العالم العربي والأجنبي، والاجتماع مع قادة الدول، ولا يفكّر أحد منهم بلقاء أو الاجتماع مع نظيره الفلسطيني الذي يبعد عنه مسافة قصيرة؟ ما الذي يدفعهم لاتخاذ مواقف عدائية من بعضهم البعض وهما أبناء شعب معذّب واحد؟ قد يكون هذا سبباَ يشرح لماذا لا يقترح أو يطالب رئيس عربي أو مسلم بالتدخل من أجل لقاء قمة فلسطيني فلسطيني كما يتم يوميّاَ في عواصم عربية وإسلامية متعددة لقيادات عربية واسلامية وأفريقية متعارضة.  

ليس هناك من طريق أو سبيل لتغير المسار الفلسطيني الراهن المتجه نحو كارثة حقيقية سوى اتفاق الفلسطينيين أنفسهم على العمل سوية. كما لن يتمكّن أي فصيل فلسطيني، فتح أو حماس، وإن حصل على كل أموال العالم وكسب معظم اعنراف دوله، أو تمكّن من الحصول على كل أسلحة العالم وصواريخه، من الإنتصار وحده.