كتب ومقالات

مقالات متنوعة

الحرب التركية مفتوحة على احتمالات غامضة

2019-10-14 23:51:30

 

 

الحرب التركية مفتوحة على احتمالات غامضة صحيفة العرب اللندنية 14/10/2019

 

جاءت الحرب التركية الكردية الحالية كإضافة مزعجة للحروب والمواجهات المتعددة، القديمة والحديثة، التي تعصف بهذا الجزء من العالم منذ بداية القرن الماضي. وفي الوقت الذي توقع فيه البعض من السياسيين التوصل إلى سريع لهذه المواجهة لهذه المواجهة فإن الغالبية اصبحت تشير إلى مستقبل طويل ومفتوح على احتمالات غامضة للتخلص من تداعيات تلك الحرب، نظراَ لأنها ذات تاريخ مأساوي وأن حلّها لن يكون بالسلاح بل بالإتفاق، ليس فقط مع الأكراد بل وأيضا بالتعاون مع دول المنطقة.

عانت المنطقة التي يشغلها الأكراد منذ قرون عديدة مواجهات وحروب مع كافة الدول التي تشاركها على الجهات الأربع، تركيا والعراق وسوريا وإيران. وبينما تم التوصل لاتفاق سلمي متعادل تقربلاَ بين الأكراد مع بعض هذه الدول، مثل العراق وربما سوريا، فقد فشلت المحاولات الرامية للتوصل لحلول مماثلة مع الدول الأخرى.

تكمن خطورة هذه الجولة من المعارك في أنها جاءت متوافقة مع حروب ومواجهات عديدة، داخلية وخارجية، لعديد من دول الشرق الأوسط، بينها حروب مستعرة في اليمن وليبيا وسوريا وفلسطين. نشهد اليوم  بوادر مواجهات داخلية في بلدان عربية مجاورة أخرى، ومواقف متضاربة. لكن كيف ستؤثر هذه الحرب الجديدة على الأوضاع والتحالفات المختلفة وعلى مستقبل العلاقة المتدهورة بين الأخوين الفلسطينين اللدودين، فتح وحماس، حيث انقسما أيضاَ في موقفهما من الحدث الجاري؟

في نهاية الأسبوع الأول من الاجتياح التركي الرسمي للأراضي السورية، ليس هناك ما يمكن الإسنناد عليه أو التأكد منه كموقف صارم للولايات المتحدة أو روسيا تجاه وقف الاجتياح أو فرض هدنة أو تقديم حل يوقف التصاعد المتوقع للقتل والخراب وتهجير المدنيين. كشف الإجتياح التركي العارم عن موافقة مسبقة للولايات المتحدة على العمل العسكري التركي مشروطاَ بعدم التهجير او التنكيل، الشروط التي أشار اليها الرئيس الأمريكي وهدد نركيا بالويل والثبور والعقوبات في حال مخالفتها.  تراوحت ردود دول العالم بين إدانة دولية للإجتياح وبين مطالبات بحل النزاع عن طريق التفاوض.  أدّى اختلاف المواقف الدولية لاختلاط الأوراق وتداخلها بشكل كبير. فهناك أطراف سورية مسلحة ومعارضة تحارب ضد الإجتياح التركي، ومنظمات سورية مسلحة أيضاَ تحارب بجانب الجيش والقوات التركية، ومنظمات إرهابية دولية تفجّر المدن في المناطق التابعة للمعارضة المتصدية للإجتياح التركي، نستعمل أنقره منظمات معارضة للنظام السوري في حربها ضد الأكراد، بينما تشارك منظمات سورية معارضة  أخرى في التصدي للقوات التركية التي دخلت الأراضي السورية. هناك تهديدات تركية باستعمال سلاح اللاجئين المتمثل بفتح الحدود لملايين الراغبين بالعبور لأوروبا. ويبقى سلاح التهديد بإطلاق سراح المعتقلين من رجال الدولة الإسلامية المكدّسين في سجون المعارضة الكردية للعودة للعمل في بلدان عربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويعزو عدد من المراقبين أن الهجمات الجوية للطيران التركي على السجون المتواجد فيها معتقلي تنظيم داعش هو جزء من ذلك المخطط.

إن العامل الأسوأ في هذا الموضوع هو الحقيقة التي سيدركها الأطراف المعنية من أن وضع نهاية لهذه المغامرة لن تكون قريبة، ولن تكون بدون ثمن غالي. لأن احنلال عشرات الكيلومترات من الأراضي السورية لن يوقف الوضع الذي تعاني منه تركيا، فقريباً ستنضم سوريا الدولة وحلفائها، ليس لدعم الأكراد فقط ولكن لتحرير سوريا من الاحتلال التركي. كما سيتقلص التبادل التجاري العربي وقوافل الآلاف من السواح العرب والخليجيين الذي يملؤون شوارع وساحات اسطمبول. لن تنظر إيران الشيعية بعين القبول والرضي لأي انتصار تحققه غريمتها السنيّة، وهي ليست غافية عن اهتمام الرئيس التركي بإعادة الخلافه العثمانية كما تزعم بعض المصادر الغربية، ولكنها تنتظر البعد الحقيقي لمخططات الرئيس التركي بينما هي مشغولة في الفترة الحالية باهتمام الرئيس الإيراني بتوسيع النفوذ الشيعي الإيراني في لبنان وسوريا واليمن وشرق الجزيرة العربية.    

نجح النظام التركي خلال السنوات الأخيرة في استعداء جملة الدول التي تجاور وتحيط بتركيا. فهي على علاقات باردة بدول الحلف المركزي رغم كونها عضواَ مؤسساَ فيه. كما أنها فشلت في الإنضمام للسوق الأوروبية التي تشاركها في القارة الأوروبية والتي لا زالت ترفض انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، ونركيا على علاقات متدنية مع العالم العربي عدا دولتين أو أكثر، وعلاقاتها مع إيران هي نتيجة لجهود روسيا للتوسط في إنهاء المشكلة الكردية التي تعاني منها كلاهما والتي انهارت بالاجتياح التركي لسوريا، الحليف الأقوى لإيران في الشرق الأوسط. تعاني العلاقات التركية من البرود التاريخي لعلاقاتها مع جارتها اليونان وجمهورية قبرص والتي يمكن أن تتفجّر تلك العلاقات قريباَ حول اكتشافات النفط والغاز في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط. تتعامل تركيا مع جزء من ليبيا، وتتعادى مع مصر، كبرى الدول العربيه وأكثرها نفوذاَ في العالم العربي، وكذلك المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومعظم دول الخليج عدا بعضها، وتبدو تركيا عاجزة عن تحقيق علاقات متينه مع لبنان والعراق وربما اليمن بسبب النفوذ الإيراني في تلك البلدان.     

يتوجه التوافق الدولي، بما فيه الموقف الأمريكي والروسي، إلى ثلاث نقاط أساسية لمواجهة الوضع العسكري والسياسي والإنساني المتفجّر الناتج عن الإجتياح العسكري التركي للأراضي السورية. أولاها وقف الاجتياح العسكري التركي وانسحاب الجيش التركي والمنظمات المتحالفة معه من الأراضي السورية بأسرع ما يمكن، وثانيها التركيزعلى حل النقاط التي تسببت في اللجوء التركي للحرب والتي قامت القوى الكردية بممارستها في المناطق التي تحتلها من تهجير للسكان واعلان الاستقلال من جانب واحد وفرض اللغة الكردية وغيرها. وثالثها توسط الأمم المتحدة لاجتماعات مشتركة للتوصل إلى اتفاق نهائي عادل بين الطرفين التركي والكردي.

لا زال مبكراَ توقع تحسّناَ في الوضع الميداني في ظل تمسّك الأطراف بمواقفهما، الأتراك يرفضون الإنسحاب أو التفاوض بينما يرفض الأكراد وقف القتال ويتعهدون باستمرار التصدي للقوات الغازية، والإدانات الدولية والدعوة لفرض عقوبات ومنع توريد السلاح تملئ الآفاق بينما تهدر العمليات العسكرية وتتساقط القتلى والجرحى غالباَ من المدنيين. الواقع يدعو إلى التوقع بأن تركيا قد تقع في فخ التوسع في الحرب التي لن تؤدي لاستقرار بل إلى المزيد من التصعيد والمزيد من الضحايا والخسارة الاقتصادية. إن النجاحات التي قد يحققها الجبش التركي سوف تزيد من فرص المقاومين على العمل وتضطر المسؤولين في أنقره لإرسال المزيد من الجنود والعتاد الذي يؤدي بالتالي لفرص أفضل للمقاومة ومزيد أكثر من المقاومين، وستنقل الحرب من اجتياح مؤقت مسيطر عليه إلى حرب طويلة مع الدولة السورية وأحلافها. إن تجربة الولايات المتحدة في فيتنام، والفرنسيين في الجزائر، والاتحاد السوفياتي في أفغانسنان دليل لا يقبل الشك على ذلك.