كتب ومقالات

مقالات متنوعة

الحراك السياسي اللبناني المخادع

2019-10-30 01:04:13

 

مروان كنفاني

29/10/2019

صحيفة العرب اللندنية

لبنـــان والحراك السياسي المخادع

منذ أن الحراك الشعبي في العالم العربي، انقسمت خمس بلدان عربية على نفسها، وأصبح الإنقسام واقع ملموس وطنيّاَ وإقليميّاَ وربما دوليّاَ. ولكن الإنقسام الذي يتبلّور الآن في فلسطين واليمن وليبيا، وبوادر الإنقسام بالتواجد العسكري في سوريا والعراق، لا يمكن تحقيقه في دولة صغيرة المساحة كلبنان، ولا بوجود العديد من الأحزاب السياسية المعتمدة على نظام التقاسم الطائفي الديني والمذهبي أو العرقي. من الصعب توجيه الحراك اللبناني العارم لتحقيق ما تم في السودان وتونس وربما الجزائر لأسباب عديدة.

اعتمد الحراك الناجح في بلدان عربية على أحزاب وقوى لها تأثير واضح في توجيه المتظاهرين نحو حلول ممكنة التطبيق. كان ذلك نتيجة لتحالفات تلك الأحزاب والقوى التي مكّنت من التوصل إلى أهداف وحلول متفق عليها. ولعبت القوات المسلحة الرسمية لتلك الدول الدور الرئيسي في منع التدهور في دوّامات الفوضى، وتم إزاحة القيادة القديمة بالإستناد على مجالس سيادية متفق عليها من الأحزاب والقوى التي تقدمت لقيادة الحراك وتحويله من مظاهرات غضب إلى إرساء نظام سياسي أفضل، لأنه لا يمكن التغيير بوجود القيادات التي تسببت في غضب ورفض الجماهير ودفعتها للإلتجاء لحل الحراك الشعبي.

اعتمد الوضع السياسي والمجتمعي في لبنان منذ إنشاء الدولة اللبنانية الحديثة على تقاسم السلطة والمراكز، وتم تدوين ذلك بشكل واضح في الدستور اللبناني والقوانبن المرعية. أعطى هذا التفاهم والتوافق على تسليم السلطة المطلقة للأحزاب والتجمعات اللبنانية المعتمدة في انطلاقاتها وتصرفاتها وتحالفاتها وخلافاتها على الأسس الطائفية، وشمل ذلك منصب الرئيس ورئيس الوزراء والوزراء ورئاسة المجلس النيابي واعضائه وقادة الجيش والشرطة. كان الداعم الأول والأكبر لهذا التقاسم الطائفي هو الشعب اللبناني بذاته، بغض النظر عن وجود بعض الأحزاب العقائدية وبضعة من المفكرين المعادين لحكم الطوائف.

يعلم العديد من المتظاهرين في شوارع بيروت والمدن اللبنانية أن وظائفهم أو أعمالهم ومشاكلهم واحتياجاتهم قد تحققت، وسوف تتحقق مستقبلاَ، من خلال قادة طوائفهم، وكذلك أن مستقبل إيجاد عمل لأولادهم وبناتهم يعتمد على علاقاتهم بقادة الأحزاب الطائفية التي ينتمون إليها. ولا ينال أول الناجحين في الامتحانات العامة او الخريجين من الجامعات فرصة الفوز في منحة دراسية إلاّ بتدخل ودعم قادة الأحزاب الطائفية، ولا يتم قبول شاب لبناني في الكلية العسكرية إلاّ ضمن التوزيع الطائفي ودعم واحد من قادة الأحزاب الطائفية، ولا ينال مواطن حق العلاج الحكومي المجّاني أو رخصة بناء أو تهرب من ضرائب بدون وساطة قادة الأحزاب الطائفية. ولكل جمعية أو نادي رياضي أو مجتمعي داعم من قادة الأحزاب الطوائفية. ويوجد حفنة من النواب المستقلين في البرلمان اللبناني مرتبطين بطائفة أو زعيم، ولا يوجد وزير مستقل في الوزارة اللبناية إلّا محسوب على قائمة أو حزب طائفي. ويتقاسم قادة الأحزاب الطائفية مناصب السفراء اللبانيين في الخارج، ومناصب نواب الوزراء والمديرين العامين والقضاة. تسبب ذلك العرف السياسي، مع تداخل التواجد الفلسطيني، في الحرب الأهلية اللبنانية التي اشتعلت منذ عام 1974.  

في تلك الحرب التي استمرت حوالي خمسة عشر عاماَ لم يتواجد مسيحي في خندق مسلم، ولا شيعي في خندق درزي، ولا تحالف سني لبناني مع ماروني، ولا أرمني مع بروتستنتي. وقفت كل طائفة تدافع عن شوارعها ومساكنها، وفق مصالحها وتحالفاتها، وحين نجحت المملكة العربية السعودية في عقد مؤتمر الطائف في مايو من عام 1989 الذي اشترك في أعماله ممثلون عن كافة الأطراف والتنظيمات والطوائف اللبنانية ليتوصلوا لاتفاق سلام قائم أساساَ على المشاركة الطائفية في حكم لبنان الصغير والجميل 1989. تضمّن اتفاق الطائف قراراَ بإنهاء النظام السياسي الطائفي في لبنان خلال خمس سنوات. واليوم وبعد ثلاثين عام على صدور اتفاق الطائف لا زال الشعب اللبناني ينتظر تنفيذ هذا القرار.

إن الحكم الطائفي في لبنان ليس بدعة أو خروجاً عن الدستور أو القوانين بل هو نظام اختاره اللبنانيين له تاريخ وإنجازات، وقد صمد ليشكل أمراَ واقعا عاشت به ومعه الدولة اللبنانية منذ ثلاثة وسبعين عاماَ. كانت الحكمة وراء ذلك النظام الإنتخابي والسياسي الذي أفرز الدولة اللبنانية في عام 1946 هي حماية الأقليات المتعددة التي تعايشت في لبنان من سيطرة المسلمين السنة والمسيحيين المارونيين. ولقد تغيّرت اللعبة اليوم ليصبح الخطر هو الهيمنة الشيعة المتحالفة مع الجارة سوريا المدعومة من إيران مهد الشيعية السياسية. حقق تحالف قيادة الطائفة المارونية والطائفة الشيعية القوية وصول الرئيس اللبناني عون لرئاسة الجمهورية اللبناية.

 أين وكيف عبّر الشعب اللبناني عن رغبته في إلغاء المشاركة الطائفية؟

فعل الشعب اللبناني ذلك عندما استعر الفساد وانتشرت السرقات وجاعت الأسر وعمّ الفقر، ولم يكن ذلك نتيجة للحكم القائم على مشاركة الطوائف، رغم سيئاته ونواقصه، ولكن بسبب انتهاك القوانين ونهب الأموال العامة. لم يكن في تونس أو الجزائر أو ليبيا أو بلاد أخرى نظام قائم على تشارك الطوائف في حكم طائفي كما في لبنان، ولكن الشعوب هناك ثارت من أجل الحكم الرشيد والعادل والتوصل إلى قيادة يختارها الشعب في انتخابات نزيهة. لا تسقط الأنظمة القائمة على التقاسم الطائفي للسلطة بالمظاهرات البريئة والسلمية وبدون طليعة موحدة تضع الأولويات والخطوات اللازمة للتوصل إلى الهدف المنشود كما حصل في تجربة السودان وتونس. ليس المطلوب اليوم من الحراك اللبناني الذي أذهل العالم إسقاط الهيمنة الطائفية التي هي سمة النظام السياسي اللبناني منذ عهود طويلة، لأنه ببساطة لا يستطيع ذلك. المطلوب اليوم لا يتجاوز ما اقترحه الرئيس عون ورئيس الوزراء الحريري والبطرك الماروني، وسوف ينضم لهؤلاء العديد من ممثلي الأحزاب والسياسيين بعد تصريحات السيد نصر الله الأخيرة، من اعتماد الإجراءات المقترحة لوقف الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، والتعديل الحكومي ومن ثم إجراء انتخابات نيابية جديدة. المهمة الحقيقية للحراك اللبناني هي الاستعداد عن طريق تشكيل أحزاب وتجمعات سياسية شعبية واسعة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة ببرامج سياسية تعتمد التغيير وتفرض مبدأ الصوت الواحد للمواطن الواحد على أساس المواطنة والانفتاح وليس الطائفية والإنغلاق، وهناك وقت طويل للاستعداد لذلك. إن القفز للإنتخابات البرلمانية اليوم وفق التقسيمية الطائفية وقبل تحقيق الخطوات المقترحة  سوف تعيد انتخاب نفس الوجوه التي تسيطر على البرلمان والحكومة اللبنانية الآن، لأن المواطن اللبناني قد اعتاد أن ينتخب الأقرب وليس الأفضل، وبعضهم ضد الطائفية اليوم وجنوداَ لها غداَ،  

ليس من المتوقع أن يتم اتفاق حول الخروج من المأزق الحالي إلاّ باتفاق قادة الأحزاب الطائفية الحاكمين اليوم، حيث لا تتواجد تجمعات سياسية وأحزاب تدعو للتغيير، سلميّاَ وبشكل منظم ومقنع، إن القيادة العاقلة والمسؤولة هي الفارق بين الحراك السياسي الهادف وبين الفوضى، ذلك لأنه إذا كان أساس الحكم هو المواطنة والمساواة فسوف تسقط مخاوف المواطن اللبناني ولجوئه لأمان الطائفية والإنغلاق.